أرقام الوهم وواقع السوق: كيف تفضح نشرات البنوك انهيار الاقتصاد السوداني؟

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

في 20 أغسطس 2026، نشر بنك أم درمان الوطني نشرة أسعار العملات الأجنبية، حاملةً أرقاماً تبدو للوهلة الأولى مجرد مؤشرات مصرفية جافة. لكن هذه الأرقام، في جوهرها، ليست مجرد قيم رقمية، بل هي مرآة لحالة الوطن، وتعبير عن حجم Mأساة التي يعيشها السودان، وانعكاس لتداعيات ح.رب أنهكت الدولة والمواطن على حد سواء.

عند النظر إلى أسعار الصرف الرسمية الصادرة عن بنك أم درمان والمقارنة بينها وبين السوق الموازي، يتضح حجم الهوة الاقتصادية؛ فعلى صعيد الدولار الأمريكي، بلغ سعر الشراء الرسمي نحو 3,750 جنيهاً وسعر البيع 3,778.12 جنيهاً، بينما سجل في السوق الموازي نحو 6,137 جنيهاً للشراء و6,018.8 جنيهاً للبيع. ويمتد هذا التباين الشاسع ليشمل بقية العملات الأجنبية؛ حيث سجل اليورو سعراً رسمياً للشراء عند 4,338.75 جنيهاً وللبيع عند 4,431.74 جنيهاً، مقابل 7,220 جنيهاً للشراء و7,080.941 جنيهاً للبيع في الموازي. وبلغ الجنيه الإسترليني رسمياً 4,687.5 جنيهاً للشراء و4,722.65 جنيهاً للبيع، بينما قفز في السوق الموازي إلى 8,237.584 جنيهاً للشراء و8,078.926 جنيهاً للبيع. وسجل الدينار الكويتي 11,718.75 جنيهاً للشراء و11,806.64 جنيهاً للبيع في النشرة الرسمية، مقابل 19,796.774 جنيهاً للشراء و19,415.484 جنيهاً للبيع في الموازي.

وعلى مستوى العملات الإقليمية والعربية، بلغ الريال السعودي 1,000 جنيهاً للشراء و1,007.5 جنيهاً للبيع رسمياً، في حين بلغ في الموازي 1,636.533 جنيهاً للشراء و1,605.013 جنيهاً للبيع. وسجل الريال القطري سعراً رسمياً للشراء عند 1,021.12 جنيهاً وللبيع عند 1,020.09 جنيهاً، مقابل 1,681.37 جنيهاً للشراء و1,648.986 جنيهاً للبيع موازياً. أما الدرهم الإماراتي، فبلغ رسمياً 1,021.12 جنيهاً للشراء و1,028.78 جنيهاً للبيع، وسجل في السوق الموازي 1,672.207 جنيهاً للشراء و1,610 جنيهاً للبيع. وبلغ الريال العماني 9,740.25 جنيهاً للشراء و9,813.31 جنيهاً للبيع رسمياً، مقابل 16,150 جنيهاً للشراء و15,838.947 جنيهاً للبيع في الموازي. وفيما غابت الأسعار الرسمية للجنيه المصري، فقد تداول في السوق الموازي مسجلاً 122.74 جنيهاً للشراء و120.375 جنيهاً للبيع.

هذه الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي لا تعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل هي فجوة بين الثقة والانهيار. فالسعر الرسمي يعكس ما تريد الدولة أن تصدقه، والسعر الموازي يعكس ما يصدقه السوق. وحين تتسع الفجوة إلى هذا الحد، فهذا يعني أن الثقة بين الدولة والمواطن قد انهارت، وأن العملة الوطنية لم تعد تعكس واقع الاقتصاد. وكما تؤكد الدراسات الاقتصادية، فإن الح.روب تؤدي إلى تسارع التضخم عبر صدمات العرض وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتدفع البنوك المركزية إلى فرض قيود على حركة رؤوس الأموال وإدارة صارمة لسعر الصرف، لكن هذه الإجراءات في بيئة الصراع ترفع مخاطر فقدان السيطرة على توقعات التضخم.

لم تأت هذه الفجوة من فراغ، بل هي نتيجة حتمية لح.رب مدمرة استنزفت كل شيء، وأدت إلى تراجع الإنتاج والصادرات بفقدان الدولة قدرتها على توليد العملات الأجنبية، وارتفاع الطلب على الاستيراد مع تدمير القدرة الإنتاجية المحلية، فضلاً عن فقدان الثقة؛ إذ يلجأ المواطن الذي يرى جنيهه ينهار يومياً إلى التحوط عبر شراء العملات الصعبة والذهب، مما يخلق حلقة تضخمية ذاتية التغذية.

يتحدث بنك أم درمان عن الأسعار الرسمية وكأنها تعكس واقعاً ملموساً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن لمؤسسة مصرفية أن تضع سعراً رسمياً للعملة بينما السوق يتعامل بسعر يزيد عليه بنسب ضخمة. هذا التناقض يعكس أزمة أعمق تمثلت في أزمة الشرعية المؤسسية ذاتها، حيث أصبحت المصارف في موقف المطارد للحقيقة.

الأثر على المواطن يبدو جلياً في تآكل المدخرات، وتراجع القيمة الحقيقية للتحويلات الخارجية، واضطرار التجار للتعامل بالسعر الموازي الذي ينعكس بدوره على أسعار السلع. وهذا هو جوهر الظلم الهيكلي: القرارات الاقتصادية الخاطئة يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما تظل النخب محمية. وفي 20 أغسطس 2026، حكت أرقام بنك أمدرمان قصة أمة تعيش أزمة وجودية تلتهم فيها الح.رب كل شيء، وتفقد الدولة السيطرة على عملتها. ويبقى السؤال الأهم: متى تستعيد الدولة ثقة مواطنيها؟ لأن العملة ليست مجرد ورقة نقدية، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، وعندما ينهار هذا العقد، فإن الثقة لا تُفرض بل تُبنى بسياسات شفافة، ومؤسسات نزيهة، وح.رب تنتهي.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #أسعار_الصرف #الاقتصاد_السوداني #حرب_السودان #التضخم #العملات_الأجنبية #السوق_الموازي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.