ليس غريباً أن تبدأ الشرارة من عطبرة. فهذه المدينة، التي حملت في تاريخها الحديث راية التغيير، كانت دوماً البوصلة التي تقيس نبض الشارع السوداني. ففي ديسمبر 2018، كانت عطبرة شرارة ثورة ديسمبر المجيدة، واليوم تعود لتكون صوتاً يُذكّر بأن الألم حين يبلغ مداه، لا يبقى صامتوً.
ما حدث في عطبرة، ثم امتد إلى الدويم بالنيل الأبيض، والقضارف، وولايات أخرى، ليس مجرد احتجاجات عابرة من قبل التجار. لم يكونوا يطالبون بتخفيض الضرائب فقط، بل كانوا يعبرون عن حالة من الإحباط العميق. فالتجار، الذين كانوا يُفترض أن يكونوا شركاء في التنمية، وجدوا أنفسهم يواجهون سياسات متضاربة، وأحياناً ممارسات ممنهجة تهدف إلى تضييق الخناق عليهم، وكأن الدولة لم تعد ترى فيهم سوى مصدر للجباية، لا شركاء في الحياة الاقتصادية، في ظل ح.ربٍ أنهكت الجسد والروح، وسياسات اقتصادية حوّلت المواطن إلى مجرد رقم في معادلة البقاء. فمنذ اندلاع الح.رب في أبريل 2023، تحول السودان إلى ساحة لاستنزاف كل شيء: الدماء، الأموال، الكرامة، والأمل.
لم تقتصر الاحتجاجات على التجار، بل امتدت إلى شرائح كانت تعتبر عماد الاستقرار. فإضراب المعلمين، الذي بدأ كحركة بسيطة في مدرسة، سرعان ما اجتاح الولايات، وكشف هشاشة النظام التعليمي برمته. المعلمون، الذين كانوا يُفترض أن يكونوا صانعي الأجيال، وجدوا أنفسهم مضطرين للإضراب للمطالبة بأبسط حقوقهم: أجر يعينهم على مواجهة الغلاء، وظروف عمل تحفظ كرامتهم. وما حدث في كسلا، حيث تسبب الإضراب في شلل تعليمي شبه كامل، ليس مجرد أزمة عابرة، بل إنذار بكارثة تُهدد مستقبل أجيال كاملة.
الاتساع الجغرافي للاحتجاجات – من عطبرة شمالاً إلى كسلا شرقاً، ومن الدويم جنوباً إلى القضارف – ليس مجرد انتشار عشوائي. إنه يعكس حقيقة واحدة: الأزمة لم تعد محصورة في منطقة أو فئة، بل أصبحت أزمة وطنية شاملة. فكل مواطن، أينما كان، يشعر بأنه يعيش في مرمى نيران سياسات لا ترحم.
ما يحدث اليوم يذكرنا بموجة احتجاجات ديسمبر 2018، التي بدأت أيضاً في عطبرة ثم اجتاحت البلاد. لكن الفرق أن تلك الاحتجاجات كانت ضد نظام قائم، أما اليوم، فالاحتجاجات تأتي في ظل ح.ربٍ ممزقة، وانهيارٍ شامل للدولة. وهذا يجعلها أكثر خطورة، لأنها ليست مجرد رفض لسياسات، بل هي صرخة ضد غياب الدولة ذاتها.
في محاولة يائسة لتحسين صورته، يظهر الفريق البرهان في الأسواق، يتناول الطعام، ويشرب القهوة مع الباعة، ويوجه والي الخرطوم بعدم مضايقة التجار، وستات الشاي، وكأنه قادم لإصلاح الأوضاع الاقتصادية. لكن هذه الصور، رغم بريقها، تسقط أمام سؤال واحد: كيف يمكن لقائد ح.رب أن يتحدث عن رعاية التجار، بينما ح.ربه تلتهم كل شيء؟ من أين يمول هذه الح.رب؟ ولماذا الإصرار على استمرارها رغم الدمار الذي تسببه؟ هذه ليست مصادفة، بل هي سياسة ممنهجة لإيهام الناس بأن هناك من يحمي مصالحهم، بينما تستمر آلة الح.رب في سحق كل شيء، وتظل الأسئلة الحقيقية معلقة: كيف نمول الح.رب ونحن عاجزون عن توفير الخبز؟ ولماذا تستمر الح.رب رغم أن الجميع يدفع ثمنها؟
لا بد هنا من طرح السؤال الذي يُطرح في كل زاوية: “من أين يمول هذا العبث؟ ولماذا الإصرار على استمرار الح.رب؟” في زمن ينهار فيه الاقتصاد، وتُفقد فيه الأرواح، يبقى هذا السؤال مفتوحاً. فالح.رب ليست مجرد صراع عسكري، بل هي مشروع اقتصادي أيضاً. هناك من يستفيد من استمرارها، وهناك من يدفع الثمن.
ولعل قرار تجميد الحسابات الصادر عن بنك السودان المركزي، الذي برر بمكافحة غسل الأموال، هو خير مثال على هذه المفارقة. ففي وقت يُطلب من المواطن تحديث بياناته المصرفية، تُترك شبكات الفساد الكبرى تعمل دون رقيب، وتُتاح لها فرص التهريب والنهب تحت غطاء الح.رب. هذا التناقض، بين معاقبة الفقراء وحماية الفاسدين، هو جوهر الأزمة التي يعيشها السودان اليوم.
إن رسالة احتجاجات التجار في عطبرة والدويم والقضارف واضحة، والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس فقط كيف نوقف الاحتجاجات، بل كيف نوقف الح.رب، وكيف نعيد بناء الدولة على أسس جديدة، وكيف نضمن ألا يكون المواطن هو الضحية الدائمة لصراعات لا علاقة له بها.
فالسودان لا يحتاج إلى وعود زائفة، ولا إلى خطابات ملتفة. السودان يحتاج إلى وقف فوري للح.رب، وإعادة توزيع عادلة للثروة، ومحاسبة حقيقية للفاسدين، ومشاركة حقيقية للشعب في صنع القرار.
#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #عطبرة #احتجاجات_التجار #ح.رب_السودان #اقتصاد_السودان #الدويم #القضارف #الأزمة_السودانية

Leave a Reply