درسٌ من أم روابة إلى وزير المالية: الاقتصاد لا يُبنى من جيوب المنهكين

صحيفة الهدف

م. عادل أحمد محمد

لستُ خبيرًا أكاديميًا في علم الاقتصاد، ولم أدرس نظرياته في مدرجات الجامعات، لكنني نشأتُ في مدينة صنعت مجدها بوعي التجارة والإنتاج: مدينة أم روابة العريقة.

تلك البقعة المباركة التي قصدها آباؤنا وأهلنا الوافدون من شمال السودان بمختلف سحناتهم وقبائلهم، لم يأتوا إليها بضجيج الشعارات، بل بعين بصيرة وفطرة اقتصادية نافذة. أدركوا فور استقرارهم طبيعة الأرض وميزتها النسبية؛ حزامٌ غني بالسمسم والفول السوداني والصمغ العربي وغيرها من المحاصيل النقدية. وبدلًا من الانتظار، شرعوا فورًا في تأسيس البنية التحتية للإنتاج؛ فشيّدوا معاصر ومصانع للزيوت، وبنوا مخازن للصمغ العربي مهيأة للتجميع والفرز والتوريد نحو موانئ التصدير.

نجح أولئك الرواد في تحويل موارد الأرض إلى شريان حيوي غذّى العاصمة القومية، ورفد خزينة الدولة بالعملات الصعبة عبر التصدير الخارجي. كانت المعادلة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: افهم ما تملك، وطوّر وسائل إنتاجه، واصنع منه قيمة مضافة.

وهنا أتوجه بالحديث إلى السيد وزير المالية: إن كنت لا تسمع للخبراء، فخذ الحكمة ممن تعتبرهم العامة بسطاء. أنت تجلس على رأس دولة تسبح فوق ثروات هائلة، ترنو إليها أعين العالم بتربص وطمع، بينما يتأرجح خطابك السياسي والاقتصادي بين المزايدة والشكوى. تارةً ترفع شعار «لن نركع لغير الله!» في غير موضعه الاستراتيجي، وتارةً تطل علينا لتحدثنا عن قوى خفية تدمر الاقتصاد الوطني، ثم تفاجئ الرأي العام باعتراف صريح بأن أكثر من 70% من ذهب البلاد يُهرّب إلى الخارج!

وهنا يفرض السؤال البديهي نفسه: ما دورك إذن؟

هل وظيفة وزير المالية في دولة مأزومة أن يجلس على مقعد الراوي، ليكتفي بوصف المشهد وتعداد وجوه الخلل، كما يفعل المحللون؟

الأدهى من ذلك أن الحل الوحيد الذي تفتّق عنه ذهن إدارتكم هو بناء موازنة دولة بأكملها على عاتق الجبايات والرسوم المضاعفة المفروضة على مواطن منهك، ومزارع مجهد، وتاجر محاصر. الاقتصاد الحي لا ينمو ولا يتعافى من جيوب الفقراء، وتجارب الأمم لم تسجل قط أن الجباية صنعت نهضة، بل الإنتاج هو من يصنعها.

أنت تقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية عظيمة، أمام الله أولًا، ثم أمام الشعب والتاريخ. إن الرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتراف بالعجز ليس عيبًا يُنقص من قدر الرجال، بل العيب كل العيب في المكابرة والتمسك بالموقع، بينما تنهار مقومات معيشة الناس وتتبدد موارد الوطن.

إن كنت عاجزًا عن حماية ذهبنا من التهريب، وعن استثمار خيرات أرضنا كما استثمرها أجدادنا في أم روابة بوعيهم الفطري، فإن أشجع وأصدق قرار تقدمه لهذا الشعب الصابر هو أن تعترف بالفشل، وتقدم استقالتك فورًا، وتفسح المجال لمن يملك رؤية الإنتاج، لا عقلية الجباية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.