المحرر الاقتصادي
في سوق أبوقوتة، كغيره من أسواق السودان، تتكشف صورة اقتصاد تنهشه الحرب. فالأسعار لم تعد مجرد أرقام تُدوّن في قوائم البيع والشراء، وإنما أصبحت وثيقة اقتصادية تختزل جانبًا من الأزمة المعيشية التي يعيشها المواطن. ورغم الترتيب الظاهري للسوق، تبدو الحركة التجارية شبه متوقفة، مع أعداد قليلة جدًا من المواطنين، في مشهد لا يعكس غياب الحاجة إلى السلع بقدر ما يعكس الانهيار الحاد في القدرة الشرائية.
وتتفاوت أسعار الحبوب والبقوليات بصورة لافتة؛ إذ يبلغ سعر شوال القمح بين 400 و420 ألف جنيه، والذرة الهجين بين 350 و360 ألفًا، فيما يتراوح سعر فتريت الذرة (أبحمد) بين 360 و370 ألف جنيه، ويصل شوال الدخن إلى 600 ألف جنيه، والعدس إلى 550–560 ألفًا. أما الفاصوليا فتتراوح بين 1.150 و1.200 ألف جنيه للجوال.
وفي السلع التموينية، يبلغ سعر شوال السكر نحو 310 آلاف جنيه، والدقيق 120 ألفًا، بينما تصل جركانة زيت كبر إلى 390 ألف جنيه. ويبلغ سعر عبوة الزيت زنة 18 رطلًا 195 ألف جنيه، وعبوة 9 أرطال 100 ألف جنيه، فيما يسجل رطل الشاي 16 ألف جنيه، والبن 25 ألفًا.
وفي سوق اللحوم والمخبوزات، يتراوح سعر كيلو لحم البقر بين 48 و50 ألف جنيه، ولحم الضأن بين 60 ألفًا، والدجاج بين 28 و30 ألفًا، والسمك نحو 32 ألف جنيه للكيلو، بينما يبلغ سعر طبق البيض 26 ألف جنيه.
أما الخضروات، فيبلغ سعر جوال البصل «فوامه» نحو 300 ألف جنيه، و«قشاشي» 250 ألفًا، فيما تتراوح صفيحة الطماطم بين 210 و220 ألف جنيه. ويبلغ سعر جوال البطاطس بين 250 و280 ألفًا، والبامية 220 ألفًا، والشطة الخضراء 420 ألف جنيه. وفي الفواكه، يسجل كيلو الموز نحو 4 آلاف جنيه، والبرتقال بين 5 و8 آلاف للدستة، والقريب بين 10 و12 ألف جنيه للدستة.
وفي قطاع الوقود والطاقة، يبلغ سعر جالون البنزين 36 ألف جنيه، بينما ينعدم الجازولين تمامًا من السوق. ويبلغ سعر جوال الفحم بين 100 و150 ألف جنيه، والأمباز بين 360 و380 ألفًا، والردة نحو 125 ألف جنيه.
ويشكل انعدام الجازولين أحد أخطر مؤشرات الأزمة، لأنه لا يعني مجرد نقص في الوقود، وإنما يهدد شريان الإنتاج نفسه. فالزراعة تعتمد عليه في تشغيل آلات الري والآليات الزراعية، كما يعتمد النقل عليه في ترحيل السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق. ومع غيابه، تتعطل حلقات أساسية من النشاط الاقتصادي، من الحقل إلى السوق.
وتتفاقم الأزمة مع انحسار مياه الزراعة، إذ عادت طلمبات سحب المياه إلى الحواشات بسبب قلة المياه، ما يضع الموسم الزراعي المقبل أمام مخاطر إضافية. وهكذا تتداخل أزمتا الوقود والمياه مع آثار الحرب، لتشكلا ضغطًا متزايدًا على الإنتاج الزراعي، وبالتالي على الإمدادات والأسعار في الأسواق.
وفي السوق نفسه، يبدو الجمود التجاري واضحًا؛ فالتجار يجلسون في أماكنهم، بينما يترقب المواطنون حركة الأسعار من دون قدرة كافية على الشراء. وليس غياب الحركة ناتجًا بالضرورة عن نقص السلع، وإنما عن تراجع القدرة الشرائية؛ فالمواطن لا يملك المال الكافي، والتاجر لا يجد مشترين، فتتراجع حركة التداول ويضعف دوران النقد داخل السوق.
وتزيد أعطال الخدمات المالية الإلكترونية من تعقيدات المشهد. ويؤدي تعطل خدمة «بنكك»، وفق إفادات السوق، إلى تعطيل جانب من التحويلات المالية الإلكترونية، بما يضيف ضغطًا على السيولة ويحد من حركة الأموال والمعاملات التجارية.
ولا تقف مظاهر الأزمة عند الاقتصاد، إذ تشير إفادات من المنطقة إلى تزايد السرقات ليلًا في المنازل، إلى جانب سرقة البهائم ونقلها بواسطة دفارات، مع عدم عودة بعض المسروقات إلى أصحابها. ويعكس ذلك، إلى جانب الخسائر الاقتصادية، تدهورًا في الوضع الأمني وما يترتب عليه من آثار مباشرة على حياة المواطنين وممتلكاتهم.
ويقدم سوق أبوقوتة، في مجمله، صورة مصغرة للأزمة التي تعيشها أسواق عديدة في السودان. فالأرقام المسجلة لأسعار السلع والوقود ليست مجرد مؤشرات تجارية، وإنما تعكس تداخل الحرب مع الإنتاج والزراعة والنقل والسيولة والقدرة الشرائية والأمن. ومع استمرار هذه الضغوط، تبدو معالجة الأزمة مرتبطة بإجراءات تتجاوز الحلول المؤقتة، لتشمل وقف الحرب، وإعادة بناء السوق الوطني، ودعم الإنتاج الزراعي، وضبط سعر الصرف، وتعزيز الشفافية في المالية العامة.

Leave a Reply