ماجد الغوث
انقطاع الكهرباء المتكرر في ولايات السودان ليس مجرد أزمة موسمية أو نتاج صيانة دورية، بل هو تجسيد لانهيار نظامي متعدد الطبقات، تضرب فيه كل فترة طبقة مختلفة فتسقط المنظومة بأكملها.
1. الأزمة الهيكلية المزمنة ما قبل الحرب
عجز بنيوي حاد:
ظل السودان ينتج تاريخيًا ما بين 1800 و1900 ميغاواط، مقابل استهلاك يتراوح بين 2900 و3000 ميغاواط، مما فرض عجزًا دائمًا بنسبة تقارب 33% حتى في أفضل الظروف الاستقرارية.
اختلال مزيج الطاقة:
تعتمد الشبكة القومية بنسبة 70% إلى 75% على التوليد المائي عبر 6 سدود، بينما يقف التوليد الحراري عاجزًا؛ إذ لا تتجاوز كفاءته الفعلية 560 ميغاواط من أصل طاقة تصميمية تبلغ 1200 ميغاواط، نتيجة شح الوقود وندرة قطع الغيار وتراجع أعمال الصيانة.
الاعتماد على مركزية مفرطة:
تحول سد مروي إلى العمود الفقري شبه الوحيد والمحتكر إلى حد كبير لتغذية الشبكة، مما جعل المنظومة بأكملها رهينة لسلامة محطة واحدة.
2. تداعيات الحرب والاستهداف المباشر منذ 2023
أجهزت الحرب على ما تبقى من البنية التحتية الهشة:
تدمير المنشآت:
طال التدمير محطات التحويل الرئيسية وأبراج النقل الاستراتيجية.
استهداف المحطات التحويلية بالمسيرات:
أدى استهداف محطة الشواك في ولاية القضارف إلى إظلام كامل ضرب ولايات القضارف وكسلا وسنار.
ضرب خطوط الربط الحيوية:
تسبب الحريق في كوابل محطة مروي الرئيسية في تعطيل الخطين المحوريين: مروي–المرخيات في أم درمان، ومروي–عطبرة، مما أدخل ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر في إظلام تام.
تكرار الإطفاء العام (Blackout):
شهدت الفترة ما بين فبراير وأبريل 2026 وحدها ثلاث حالات انهيار كامل للشبكة القومية، على الأقل.
3. هشاشة الشبكة وحساسيتها المناخية
أظهرت واقعة 17 سبتمبر 2026 كيف أصبحت الشبكة سريعة العطب أمام أي مؤثر خارجي:
- تزامن الارتداد المفاجئ في التردد مع العواصف الترابية وزيادة الأحمال، إلى جانب خروج البارجة التركية في البحر الأحمر عن الخدمة.
- مجرد حدوث عطل في خط النقل مروي–عطبرة–بورتسودان يفعّل أنظمة الحماية التلقائية لعزل الخطر، فيتسبب ذلك في فصل سد مروي بالكامل عن التوليد.
- أصبحت الشبكة ذات حساسية مفرطة؛ فأي خلل في قطاع جغرافي يجر وراءه بقية الولايات، وتقتصر الاستثناءات أحيانًا على مناطق معزولة جزئيًا تغذيها سدود محلية، كأعالي عطبرة وسيتيت أو الروصيرص.
4. التكلفة الإنسانية والاقتصادية
جداول إطفاء قاسية:
تفاقمت البرمجة في بورتسودان لتصل إلى 12–14 ساعة قطع يوميًا، وفي أم درمان إلى 12 ساعة قطع مقابل 6 ساعات إمداد فقط.
شلل الخدمات والاحتقان الاجتماعي:
أدى تدهور الخدمات إلى احتجاجات شعبية شملت إغلاق الطريق القومي الحيوي بورتسودان–الخرطوم في جبيت ومدن البحر الأحمر.
نزيف اقتصادي واسع:
تلفت كميات هائلة من المواد الغذائية والمحاصيل المعتمدة على الري الكهربائي، وارتفعت كلفة إنتاج السلع بنسب تجاوزت 400% نتيجة الاعتماد الإجباري على المولدات الخاصة والوقود التجاري.
المآل وخارطة الخروج
الأزمة الحالية تثبت استحالة إدارة قطاع الكهرباء في السودان بنظام الشبكة القومية شديدة المركزية، القائمة على عمود فقري وحيد وخطوط نقل مكشوفة تمتد لمئات الكيلومترات وسط بيئة حرب وعوامل مناخية قاسية.
إن أي معالجة مستدامة تتطلب التحول الفوري نحو لا مركزية التوليد:
- إقامة مشاريع طاقة شمسية وشبكات صغرى (Microgrids) مستقلة لكل ولاية.
- إعادة تأهيل المحطات الحرارية وتأمين سلاسل إمداد وقودها محليًا.
- تأمين وتأهيل خطوط الربط الاستراتيجية القادمة من سد مروي بأنظمة حماية ذكية تعزل الأعطال موضعيًا دون إسقاط الشبكة كاملة.
بدون هذه المقاربة الجذرية، ستظل الصيانة مجرد مسكن مؤقت في انتظار الإظلام القادم.

Leave a Reply