(غُرّة الدهماء).. زينب السيّد بين النشر الذاتي وأسئلة الهوية والحرية

صحيفة الهدف

مجدي علي

في ظل تنامي ظاهرة النشر الذاتي، بوصفه مسارًا يتيح للكتّاب التحكّم الكامل في أعمالهم بعيدًا عن شروط دور النشر التقليدية، صدر قبل أيام كتاب (غُرّة الدهماء) للكاتبة السودانية زينب السيّد، في تجربة تمزج بين السيرة الفكرية والتأمل في مسار الكتابة وصراعها مع المؤسسات والواقع. فيما تولّت مؤسسة (مِطرقة للثقافة والفنون والأدب) مهمة الطباعة والتوزيع، في خطوة تعكس اتساع حضور التجارب المستقلة في المشهد الثقافي السوداني.

ويقدّم الكتاب خلاصة تجربة فكرية وأدبية للكاتبة، إذ تشير في مقدّمته إلى أنه يمثّل تلخيصًا لجزء من رحلتها في الكتابة منذ بداياتها، مؤكّدة أن النص الأدبي لا يُكتب بجهد فردي خالص، بل يشارك في صنعه الملهم والمحرّر والقارئ، الذين يسهمون جميعًا في تشكيل النص وإعادة بنائه عبر التفاعل والقراءة.

ويطرح العمل الذي عرض بمعرض القاهرة الدولي للكتاب أسئلة تتصل بعلاقة الإبداع بالتحولات الاجتماعية والسياسية، حيث تتوقّف الكاتبة عند ظاهرة تزايد أعداد الكتّاب في أزمنة الاضطراب، وتتساءل عن أسباب محدودية انتشار الإبداع السوداني عالميًا رغم ثرائه وتنوعه الثقافي. وتستعرض في هذا السياق رؤية تربط الإبداع السوداني بثلاثة عناصر أساسية هي التعدّد اللغوي والديني والثقافي، معتبرة أن هذه التعددية تمنح المجتمع طاقة إبداعية فطرية، لكنها في الوقت ذاته تخلق تشعبًا في السرد والتجربة.

وتستخدم الكاتبة مثال “المائدة الرمضانية” السودانية بوصفها صورة مكثّفة للتنوّع الاجتماعي والثقافي، حيث تتلاقى خلفيات متعددة في فضاء واحد، حاملة معها قصصًا وتجارب وأساطير قادرة، لو رويت أدبيًا، على ملء المكتبات والمنصات الفنية بأعمال سردية ثرية.

كما يتوقّف الكتاب عند تجربة الكاتبة الشخصية مع المؤسسات الأدبية، وصراع الكاتب مع القوالب والتصنيفات التي تحاول تقييد مسار النص، مقابل قناعتها بأن الأدب سلطة مستقلة تتجاوز ما يُعرف بالسلطة الرابعة، وأن الكاتب لا ينتظر اعترافًا بصفته بل ينتزع حقّه في الكتابة عبر تجربته وإصراره.

ويبرز في العمل أيضًا خيار النشر الذاتي، الذي لم يكن في بدايته قرارًا مقصودًا بقدر ما كان نتيجة لرفض بعض دور النشر، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى قناعة تمنح الكاتبة حرية أكبر في تقديم نصوصها دون خضوع لحسابات السوق الضيقة.

وتستعيد زينب السيّد بداياتها حين اشترى قارئ مجهول النسخة الأولى من أحد كتبها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبرته آنك دعمًا معنويًا كبيرًا ساهم في استمرارها، قبل أن تتّسع دائرة قرّائها لاحقًا عبر المنصات الرقمية ويزيد توزيع أعمالها.

كما يتناول الكتاب تجربة التحرير الأدبي، وتأملات الكاتبة في حرّية الكتابة وحدودها الأخلاقية، مؤمنة بأن الكاتب يمتلك حرّية واسعة في تشكيل نصّه، مع ضرورة الالتزام بالقيمة الإنسانية والأخلاقية للنص.

ويحمل عنوان الكتاب (غُرّة الدهماء) دلالة رمزية، إذ يشير إلى بقعة الضوء في ظلام دامس، وهو ما يتسق مع طبيعة العمل بوصفه محاولة لالتقاط لحظات الوعي والمعنى وسط تعقيدات التجربة الإنسانية والكتابية.

ويُعد صدور الكتاب خطوة جديدة في مسار زينب السيّد الأدبي، كما يعكس في الوقت ذاته تحولات أوسع يشهدها مجال النشر في المنطقة، حيث باتت تجارب النشر المستقل خيارًا متناميًا لدى الكتّاب الشباب، في سعيهم للوصول إلى القارئ دون وسائط تقليدية.

وبين السيرة الذاتية والتأمل النقدي وتجربة الاستقلال في الكتابة، يقدم (غُرّة الدهماء) نصًا مفتوحًا على أسئلة الإبداع والحرية والهوية، تاركًا للقارئ حرية اكتشاف معناه الخاص، انسجامًا مع القناعة التي تختم بها الكاتبة عملها: “لا أحد يستطيع أن يملي على القارئ كيف يقرأ، ولا أحد يستطيع أن يملي على الكاتب ما يكتب”.

وتُعدّ زينب السيّد محمد عمر من الأصوات الشابة في المشهد الأدبي السوداني، وهي خريجة كلية دراسات المجتمع والتنمية الريفية بجامعة بحري، بدأت علاقتها بالأدب مبكرًا وتنقّلت في تجربتها بين الشعر والنثر والقصة، إلى جانب اهتمامها بالفنون والموسيقى، قبل أن تنطلق بالكتابة عبر المنصات الرقمية وتتجه لاحقًا إلى إصدار أعمالها في كتب مطبوعة. وتركّز زينب في كتاباتها على أسئلة الهوية والحرية وعلاقة الأدب بالتحولات الاجتماعية، ممثلةً تجربة جيل جديد من الكتّاب الذين يبنون حضورهم خارج الأطر التقليدية، عبر التواصل المباشر مع القرّاء وتطوير تجربتهم الإبداعية بصورة مستقلة. وصدر لها عدد من الأعمال، من بينها (شواغر متحجّرة: خلجات قلبٍ وروحٍ)، والمجموعة القصصية (حدس حتف)، وكتاب (امرأة معبد)، إضافة إلى عملها الأحدث (غُرّة الدهماء.. سيرة الجزء من التجربة).

#ملف_الهدف_الثقافي #زينب_السيد #غرة_الدهماء #النشر_الذاتي #الأدب_السوداني #ثقافة #سيرة_فكرية #صحيفة_الهدف #كتابة #إبداع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.