تعددية المواهب

صحيفة الهدف

عبد علي حسن

كاتب وناقد عراقي

يعترض البعضُ من الكتاب على المبدعين الذين يكتبون في أكثر من جنسٍ أو نوعٍ أدبيٍّ واحدٍ، ويصفهم، كما ذكر الصديق الروائي علي لفته سعيد، بأنهم يعانون من مرضٍ نفسيٍّ نقلاً عن قولٍ لأحد الجامعيين، وأرى أن هذا الاعتراض، في جوهره، اعتراضٌ تصنيفيٌّ أكثر منه نقديٌّ، وهو نابعٌ من تصوّرٍ تقليديٍّ لوظيفة المبدع وحدودِ اشتغاله، لا من قراءةٍ جماليةٍ دقيقةٍ لمنجزه.

القولُ إن على المبدع أن يخلص لجنسٍ إبداعيٍّ واحدٍ يفترض ـ ضمنًا ـ أن الأجناس الأدبية جزرٌ مغلقةٌ، وأن الانتقال بينها يفضي حتمًا إلى التشتّت أو السطحية. غير أن تاريخَ الإبداع، قديمًا وحديثًا، يدحض هذا الافتراض؛ فالإبداعُ فعلُ رؤيةٍ قبل أن يكون التزامًا شكليًّا، والرؤيةُ الواحدة قد تبحث عن أكثر من وعاءٍ تعبيريٍّ لتنجز ذاتها. ما يفيض عن طاقةِ القصيدة قد يجد اكتماله في السرد، وما يعجز عنه الخيالُ الحكائي قد ينجزه التحليلُ النقديّ أو التشكيلُ البصريّ.

الاعتراضُ غالبًا ما يستند إلى هاجسِ الاحتراف والخشيةِ من أن يكون التعدد على حساب العمق، وهذا الهاجس مشروعٌ إذا كان الحكم مبنيًّا على النصوص ذاتها، لا على سيرة المبدع. فالإشكال ليس في أن يكتب الشاعرُ روايةً، أو أن يشتغلَ الروائيُّ بالنقد، بل في كيف يكتب، وما الذي يضيفه كل اشتغالٍ إلى التجربة الكلية. التعدد هنا قد يكون إثراءً، وقد يكون افتضاحًا للضعف؛ الفيصلُ هو المنجز لا النية.

ثم إن الحداثة وما بعدها قامت، في أحد وجوهها، على تفكيك نقاء الأجناس، وعلى تداخل الخطابات والوسائط. إن الإصرار على حراسة الحدود الصارمة بين الشعر والسرد والنقد يعكس وعياً قديماً بوظيفة الأدب، لا ينسجم مع طبيعة الكتابة المعاصرة التي تميل إلى الهجنة والتجاور والتقاطعات.

وأرى أن الاعتراض يصبح وجيهًا فقط حين يتحول التعدد إلى استسهالٍ أو إلى حضورٍ كميٍّ بلا ضرورةٍ جماليةٍ أو معرفية. أما حين يكون التعدد نتيجة حاجةٍ داخليةٍ في التجربة، وتراكماً عضوياً في الرؤية، فإنه لا يضعف المبدع بل يكشف اتساعَ أفقه، ويمنحنا فرصةَ قراءة أعماله بوصفها مشروعًا واحدًا بأدواتٍ متعددةٍ، لا مواهب مشتتةٍ بلا مركز. وهنالك نماذجُ عالميةٌ وعربيةٌ تمتلك أكثر من موهبة وقدرةٍ كتابيةٍ مؤثرةٍ في أكثر من جنسٍ أو نوعٍ أدبيٍّ واحد، مثل غوته واليوت وهوجو وكونديرا وبورخس وغيرهم الكثير.

#ملف_الهدف_الثقافي #تعددية_المواهب #نقد_أدبي #ثقافة #أدب #عبد_علي_حسن #العراق #صحيفة_الهدف #كتابة #أجناس_أدبية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.