لعنة العقار: هل تتحول أراضي السكك الحديدية إلى “زئبق” يحرق المؤسسة القومية؟ (2)

صحيفة الهدف

محمد شريف
في مواجهة إغراءات الثروة العقارية، لم تترك الدول الناجحة أراضي السكك الحديدية عرضة للتقديرات الفردية أو الاجتهادات الإدارية غير المنضبطة، بل أخضعتها لنماذج حوكمة صارمة تضمن توجيه العوائد كافة نحو تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية.
يبرز النموذج الياباني بوصفه أحد أبرز النماذج العالمية، وتحدّيدًا شركة (JR East)
ففي اليابان، لا تُعامل السكك الحديدية كمجرد ناقل، بل كمطوّر عمراني (Urban Developer)، لا يبيع أصوله العقارية بل يستثمر فيها. وقد تبنّت اليابان استراتيجية “التطوير الموجّه بالنقل” TOD، حيث تمتلك الشركة وتدير الفنادق والمراكز التجارية المحيطة بالمحطات الكبرى كأذرع استثمارية خاضعة لمعايير السوق والشفافية. وتُستخدم العائدات في تمويل الأبحاث المتعلّقة بالقطارات فائقة السرعة وصيانة الشبكات، ما جعلها من أكثر الشركات استدامة ماليًا دون اعتماد مباشر على الدعم الحكومي.
أما في بريطانيا، فقد كان التحدّي مرتبطًا بكيفية حماية الأصول القومية من ضغوط الخصخصة وسوء الإدارة. فجاء الحل عبر الفصل الهيكلي، حيث أُسندت ملكية البنية التحتية والأراضي إلى شركة (Network Rail)، الخاضعة لرقابة (Office of Rail and Road – ORR) ، وهي جهة تنظيمية مستقلة عن السلطة التنفيذية. وتمتلك هذه الهيئة صلاحيات رقابية صارمة تمنع أي تصرف في الأصول العقارية لا يخدم المصلحة الاستراتيجية لقطاع النقل على المدى الطويل، بما يحول دون تحويل الأراضي إلى أدوات للمساومات الإدارية أو السياسية.
وفي الهند، التي تتقاطع ظروفها البيروقراطية مع العديد من الدول النامية، أُنشئت “سلطة تطوير أراضي السكك الحديدية” RLDA بموجب تشريع خاص. وتعمل هذه الهيئة كوسيط مهني مستقل يتولى طرح الأراضي للاستثمار عبر مزادات إلكترونية شفّافة تقلّل التدخّل البشري وتحد من الفساد الإداري. كما تُخصّص العائدات في حساب رأسمالي مغلق يُستخدم حصريًا لتحدّيث وتطوير منظومة السكك الحديدية، ما جعلها أداة فعالة لتمويل التحدّيث بعيدًا عن الاستهلاك التشغيلي.
وتخلص هذه التجارب إلى أن استقلال مؤسسات السكك الحديدية لا يعني إطلاق يد الإدارات التنفيذية في إدارة الأصول العقارية، بل يقوم على ثلاثية حوكمة أساسية:
-الفصل الوظيفي: منع الإدارة التشغيلية من التحكم المباشر في الصفقات العقارية الكبرى.
– الرقابة المستقلة: وجود مجالس حوكمة فاعلة تمتلك سلطة المحاسبة والتدقيق.
– الشفافية الرقمية: إخضاع عمليات الاستثمار للمنافسة العلنية ومنع الترتيبات المغلقة.
إن تجربة منح الولايات نسبة (20%) من عائدات الأراضي في السودان، رغم كونها محاولة لتقاسم الموارد، إلا أنها في السياقات الدولية تُعدّ تفتيتًا لوحدة الأصل السيادي بدلًا من تعظيم كفاءته. فالنماذج الناجحة تقوم على مركزية إدارة الأصل مع رقابة وطنية صارمة تضمن الاستخدام الأمثل.
وفي المحصلة، فإن غياب مجالس إدارة فاعلة وآليات رقابة مستقلة في الحالة السودانية يفتح الباب أمام تحويل الأصول الاستراتيجية إلى مصدر استنزاف، بدل أن تكون رافعة للتنمية، وهو ما يشبه نزع أنظمة الأمان عن منظومة حيوية تسير نحو مخاطر متراكمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.