المحرّر الاقتصادي
في ظل أزمة اقتصادية مركّبة يعيشها السودان، أصدرت غرفة الضرائب بولاية البحر الأحمر (بورتسودان) بتاريخ 11 أبريل 2026 قرارًا إداريًا يقضي بتحدّيد وعاء وفئات ضريبة نقل الحاويات. ويأتي هذا القرار في لحظة شديدة الحساسية، حيث تمثّل الحاويات العمود الفقري لحركة التجارة الخارجية والداخلية، ما يجعل أي تعديل في تكلفتها ذا أثر مباشر على مجمل النشاط الاقتصادي. غير أن قراءة هذا القرار لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تتداخل فيه الأزمة المالية مع تداعيات الحرب، بما ينتج واقعًا اقتصاديًا بالغ التعقيد.
مضمون القرار ودلالاته
ينص القرار على فرض رسوم وضريبة على نقل الحاويات وفق فئات وشرائح مالية متفاوتة، في توجّه واضح نحو توسيع القاعدة الجبائية عبر قطاع النقل التجاري. ويُلاحظ أن هذه الرسوم تأتي في بيئة تعاني أصلًا من ارتفاع تكلفة الوقود، وتدهور سعر العملة، واضطراب سلاسل الإمداد، ما يجعلها عبئًا إضافيًا على النشاط الاقتصادي القائم.
الحاويات كشريان اقتصادي
لا تمثّل الحاويات مجرد وسيلة نقل، بل تُعد بنية تحتية حيوية لعمل الاقتصاد، إذ ترتبط باستيراد السلع الأساسية “الغذاء، الدواء، ومدخلات الإنتاج”، وتصدير المنتجات الوطنية، واستمرارية الأسواق الداخلية. وعليه فإن أي زيادة في تكلفتها لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تمتد آثارها إلى كامل المنظومة الاقتصادية.
التحليل الاقتصادي للقرار
أ/ انتقال العبء إلى المستهلك:
في بيئة اقتصادية هشّة، لا يتحمل الناقل أو المستورد العبء الضريبي مباشرة، بل ينتقل إلى التاجر ثم إلى المستهلك النهائي، بما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتسارع التضخّم.
ب/ تضخّم تكلفة الاستيراد:
تأتي هذه الضرائب ضمن سياق ارتفاع شامل لتكاليف الشحن، وسعر الصرف، والرسوم الجمركية، لتضيف طبقة جديدة من الأعباء تنعكس على أسعار السلع الأساسية.
ج/ إضعاف تنافسية الصادرات:
زيادة تكلفة الحاويات تعني ارتفاع تكلفة التصدير، ما يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية وانخفاض عائدات النقد الأجنبي.
د/ اختناق سلاسل الإمداد:
في ظل ضعف البنية التحتية واضطراب النقل، تسهم هذه السياسات في تأخير حركة البضائع، ورفع تكلفة التداول، وتقليل كفاءة السوق.
– الحرب كعامل حاسم في تشوّه السياسات الاقتصادية
لا يمكن فصل القرار عن سياق حرب (15 أبريل) التي أعادت تشكيل بنية الاقتصاد السوداني، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، وإضعاف الجهاز المصرفي، وتوجيه الموارد نحو الإنفاق الأمني، وتراجع الإيرادات الإنتاجية، إلى جانب اتساع موجات النزوح.
وفي ظل هذا الواقع، تلجأ الدولة إلى تعويض العجز عبر التوسّع في الجباية، بما في ذلك فرض ضرائب إضافية على قطاعات حيوية مثل النقل. غير أن هذا النهج، رغم ما يوفّره من إيرادات آنية، يؤدي إلى تعميق الأزمة عبر الضغط على النشاط الاقتصادي بدل دعمه.
– قراءة هيكلية: من الإنتاج إلى الجباية
يعكس القرار تحوّلًا في بنية الاقتصاد من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد جبائي يعتمد على تحصيل الموارد من النشاط القائم. ويؤدي هذا التحول إلى:
أ/ تآكل القاعدة الضريبية على المدى الطويل.
ب/ خروج الفاعلين الاقتصاديين من السوق.
ج/ توسع الاقتصاد غير الرسمي.
– الآثار المتوقعة:
في حال استمرار هذا النهج، يُتوقع:
أ/ ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ب/ تراجع حجم الاستيراد المنظّم.
ج/ توسّع السوق الموازي.
د/ انخفاض الصادرات.
هـ/ زيادة معدلات التضخّم.
و/ إضعاف النشاط التجاري.
– وقف الحرب كمدخل للإصلاح الاقتصادي
إن أي محاولة لإصلاح الاقتصاد، سواء عبر تخفيف الضرائب أو دعم الإنتاج، تبقى محدودة الأثر ما لم يُعالج السبب الجذري للأزمة وهو استمرار الحرب. فلا يمكن استقرار العملة، ولا عودة الاستثمار، ولا انتظام سلاسل الإمداد في ظل بيئة غير مستقرة.
إن وقف الحرب ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل شرط اقتصادي أساسي لإعادة بناء الدورة الإنتاجية، واستعادة الثقة، والانتقال من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد الإنتاج.
– البدائل الممكنة:
أ/ تخفيف الرسوم على النقل باعتباره عنصرًا مضاعفًا للتكلفة.
ب/ دعم الإنتاج الزراعي والصناعي.
ج/ تحفيز الصادرات عبر خفض تكاليف النقل.
د/ إصلاح النظام الضريبي وربطه بالإنتاج.
هـ/ تحقيق استقرار السياسات الاقتصادية.
أخيرًا:
إن فرض ضرائب إضافية على نقل الحاويات في هذا التوقيت لا يمثل مجرد إجراء مالي، بل يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات الاقتصادية، حيث يتم الضغط على شرايين الاقتصاد بدل تغذيتها. وفي اقتصاد تُديره الحرب، تصبح الضرائب علاجًا مؤقتًا لمرض أعمق، ولا يكون الإصلاح ممكنًا إلا حين تتوقف البنادق، لتعود الموارد إلى حيث يجب أن تكون: في خدمة الإنتاج لا في تغذية الصراع.

Leave a Reply