د.عصام علي حسين
يعيش السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل (2023م) أسوأ أزماته الاقتصادية، حيث دخلت العملة الوطنية في مسار هبوط متواصل أفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها، حتى تجاوز سعر صرف الجنيه مقابل الدولار حاجز (4000) جنيه في السوق الموازية، بفارق يزيد عن (35%) عن السعر الرسمي، وبزيادة بلغت (600%) منذ اندلاع الحرب، مما قاد إلى ارتفاع معدلات التضخّم بصورة كبيرة، وأدى إلى انكماش إنتاجي غير مسبوق، ساهم في تفكك المنظومة الاقتصادية وتآكل القوة الشرائية للجنيه بنسبة بلغت (110%)
وتتفق التقارير الدولية مع هذا الاتجاه، إذ حذّر البنك الدولي في تقريره (Sudan Economic Update – May 2025) من مخاطر اقتصادية واجتماعية عميقة ترتبط باستمرار الحرب، مشيرًا إلى تدهور مستويات الدخل، وتوسّع دائرة الفقر، وضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد.
ومع غياب الاستقرار النقدي وتراجع دور المؤسسات الرسمية، أصبح المواطن العادي في مواجهة مباشرة مع أسواق متقلّبة تحكمها العملة المنهارة واقتصاد الظل، الأمر الذي حوّل أبسط متطلبات الحياة إلى عبء ثقيل يرهق كاهل الأسر، مع الارتفاع المتواصل في أسعار الغذاء والوقود والدواء، مما دفع كثيرًا من المواطنين إلى إعادة تعريف احتياجاتهم الأساسية، والتخلي قسرًا عن أنماط حياة كانت تُعد طبيعية قبل الحرب.
ويرجع هذا الانهيار إلى عدة أسباب يمكن إجمالها في التوسع النقدي لتمويل العجز في ظل تراجع الإيرادات، والانهيار الكبير في سعر الصرف، وتراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد، وفقدان الثقة في استقرار الجنيه، مما دفع الأفراد والتجار إلى التحوط بالدولار والذهب، وغذّى دوامة التضخّم، إلى جانب جمود الرواتب في القطاعين العام والخاص. وأصبحت الأجور، خاصة الحكومية، لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الأساسية، إذ بات التكيف المعيشي يعتمد على التحويلات والدعم العائلي والعمل غير الرسمي، مع خفض الاستهلاك إلى الحد الأدنى.
إن استمرار الحرب، وتراجع تحويلات السودانيين في الخارج، وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، عوامل مرشحة لمزيد من الضغط على الجنيه، مع توقعات ببلوغه حاجز (5000) جنيه إذا لم تتخذ إجراءات جذرية تضع حدًا لتدهور الاقتصاد.
وتشير المعطيات إلى أن البلاد تواجه حالة ركود تضخّمي حاد، ما يجعل كبح التضخّم مرهونًا إما بتدخل نقدي مباشر لدعم الاحتياطي وزيادة الصادرات، أو بتحسن سياسي وأمني يسمح بعودة الإنتاج.
كما أن الزيادة المضطردة في سعر الصرف تفرض أهمية إعادة النظر في فكرة “الجنيه الذهبي الادخاري” كحل نوعي يستهدف كسر حلقة المضاربة على الدولار، عبر توفير وعاء ادخاري مغطى بالذهب داخل الجهاز المصرفي، بما يقلّل الطلب على الدولار ويخفّف الضغط على السوق الموازية، من دون ضخ نقد جديد.

Leave a Reply