استطلاع: نجلاء تاج السر
يُعدّ ضعفُ مرتبات العاملين بالدولة، في ظلّ التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة، انعكاسًا مباشرًا لضعف الاقتصاد العام وتراجع الإنتاجية. غير أنّ الخلل لا يقتصر على محدودية الأجور، بل يمتد إلى سوء توزيعها، الأمر الذي يفاقم الإحباط ويُضعف الرضا الوظيفي ويؤثر سلبًا على الأداء، ويدفع كثيرًا من العاملين للبحث عن بدائل لسدّ فجوة الدخل.
ويبرز في هذا السياق غياب نظام تقييم عادل يربط بين الأداء والأجر، بما يضمن استقرار سوق العمل ويحفّز الإنتاج. وقد أثار قرار حكومة الأمر الواقع في بورتسودان بزيادة المرتبات بنسب متفاوتة، استحوذت بموجبه الأجهزة الأمنية والعسكرية على النصيب الأكبر، حالة من التوتر والاحتقان وسط بقية القطاعات المدنية.
(الهدف) استنطقت آراء عدد من المختصين والعاملين للوقوف على أبعاد الأزمة وتداعياتها.
اختلال الأجور أثّر على الاقتصاد
يرى الاقتصادي، أحمد علي المحسي، أنّ عدم تناسب الأجور مع تكاليف المعيشة يقود إلى اختلالات اقتصادية واضحة، من بينها ضعف القوة الشرائية وحدوث ركود في الأسواق، خاصة في السلع غير الأساسية. كما يؤدي هذا الخلل إلى تراجع الرضا الوظيفي، وهجرة الكفاءات نحو فرص أفضل، ما يضطر المؤسسات إلى الاعتماد على عمالة أقل كفاءة، ويُفضي إلى بيئة عمل غير مستقرة وانخفاض الإنتاجية. وفي المحصلة، ينعكس ذلك في ارتفاع معدلات الفقر واتساع الفجوة الاجتماعية.
الأساتذة الجامعيون في أوضاع معيشية حرجة
يصف عيسى التوم صالح، أستاذ جامعي، واقع الأساتذة الجامعيين بأنه بالغ الصعوبة، موضحًا أنّ راتب الأستاذ المشارك يبلغ في المتوسط نحو (410) جنيهات شهريًا (حوالي 100 دولار)، وهو مبلغ لا يتناسب مع مكانته العلمية ولا يغطي الاحتياجات الأساسية. ويشير إلى أنّ هذا الوضع يضطر الأساتذة إلى تقليص نفقاتهم أو الاستدانة، أو البحث عن أعمال إضافية إن وُجدت.
ويؤكد أنّ تحرّك الأساتذة للمطالبة بتنفيذ الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة يُعدّ موقفًا مسؤولًا، يهدف إلى صون كرامة الأستاذ الجامعي وضمان استقرار مؤسسات التعليم العالي.
حال المعلمين ينعكس على جودة التعليم ومخرجاته
يشير، المعلّم، عثمان حامد، إلى أنّ تدني رواتب المعلمين وعدم تناسبها مع حجم الأعباء المهنية يعكس غياب الاهتمام بقضية التعليم. وقد دفع ذلك كثيرًا من المعلمين إلى العمل في مهن أخرى لتأمين احتياجاتهم، ما أثّر سلبًا على أدائهم وتفرغهم للعملية التعليمية.
ويؤكد أنّ مهنة التعليم تتطلب تركيزًا وتفرغًا عاليين، إذ لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة، بل يشمل إعداد الدروس ومتابعة الطلاب وبناء بيئة تعليمية فاعلة. غير أنّ الضغوط المعيشية تحرم كثيرين من هذا التفرغ، مما ينعكس على جودة التعليم ومخرجاته.
تفاوت الأجور سبب الشعور بالغبن
تنتقد الموظّفة، أماني حسين، قصر الزيادات في الرواتب على الأجهزة العسكرية، معتبرةً أنّ ذلك يعكس غياب العدالة ويكرّس الإحساس بالتهميش لدى بقية العاملين. وتقول إنّ مثل هذه القرارات تعزّز الانطباع بأنّ الاستجابة للمطالب ترتبط بالقوة، لا بالحقوق، متسائلةً عن أسباب هذا التمييز في ظلّ واقع معيشي مشترك.
وتدعو إلى مراجعة السياسات المالية بما يحقّق قدرًا من العدالة بين مختلف فئات العاملين، مؤكدةً أنّ الجميع يواجه ذات الأعباء في ظلّ الظروف الاقتصادية الراهنة.
آراء المشاركين تكشف عن أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، حيث لا يقتصر التحدّي على ضعف المرتبات، بل يمتد إلى غياب العدالة في توزيعها، وانعكاسات ذلك على الأداء والاستقرار المؤسسي. ويظلّ الإصلاح الشامل لمنظومة الأجور شرطًا أساسيًا لمعالجة الاختلالات وتحقيق قدر من التوازن في سوق العمل.

Leave a Reply