- استرددنا عقارات وقفيّة بـ 479 مليون دولار كانت في قبضة “التمكين“
- نظام 30 يونيو حوّل الأوقاف إلى مصادر تمويل حزبي وشخصي منذ عام 89
- استرددنا مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية “مجهولة المالك” لصالح شعب السـ.ـودان
- 479 مليون دولار قيمة 81 عقاراً فقط بالخرطوم كانت تذهب لجيوب أفراد النظام البائد
- الانقلاب أجهض ملفات استرداد كبرى كانت تنتظر التنفيذ.. والحـ.ـرب وريثة الانقلاب
- صوت “الفتاوى السياسية” لشرعنة الحـ.ـرب باطل.. وعلى القادة الدينيين رفع أصواتهم بالسـلام
- ثورة ديـسمبر هي “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في أبهى صوره ضد الظلم
- أي شخص يثبت تورطه في فتنة دينية يحكم عليه بالسجن 10 سنوات
—-
في ظل عاصفة الحـ.ـرب التي تجتاح السودان، وتناثر أحلام ثورة ديــسمبر بين شظايا الصـ.ـراع، يأتي هذا الحوار مع الأستاذ مفرح، وزير الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة الثورة، ليس كحوار تقليدي، بل كوثيقة شهادة على لحظة تاريخية مفصلية. “الهدف” تحاور اليوم رجلًا حمل على عاتقه مسؤولية واحدة من أخطر المؤسسات الدينية في البلاد، في وقتٍ أصبح فيه الخطاب الديني إما سلاحًا في معركة الآخرين، أو منبرًا للصمت المُريب.
—
حوار: طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
—
- ما حجم الثروات والعقارات التي استولى عليها نظام تمكين 30 يونيو الانقلابي منذ 89 تحت مظلة الأوقاف، وتم كشفها كحالات فساد؟
نظام التمكين استولى على عشرات العقارات الوقفية داخل الخُرْطُوم وخارجها، وحوّلها إلى مصدر تمويل حزبي وشخصي فاق عددها المئات من العقارات في الخرطوم والولايات، وأبرز حالات الفساد كانت في عقارات وقفية أُجّرت بأثمان بخسة لمتنفذين، بينما قيمتها السوقية كانت بملايين الجنيهات؛ لذلك كان في ولاية الخُرْطُوم فقط قيمة عدد 81 عقاراً وقفياً مبلغ (479 مليون دولار) كلها كان يذهب ريعها لمؤسسات وأفراد يتبعون للنظام البائد.
- كيف كنتم تتعاملون مع ملف استرداد ممتلكات الأوقاف المنهوبة؟
تعاملنا مع الملف عبر لجنة قانونية متخصصة بقرار أصدرته بتكوينها وهي اللجنة القانونية للرقابة على الأموال الموقوفة وتم اعتمادها من النائب العام وربطت بلجنة إزالة التمكين وباللجنة مستشار من وزارة العدل.
- وما هي التحديات القانونية والعملية التي واجهتكم، خاصة مع المستفيدين السابقين من النظام؟
بالفعل التحدي الأكبر كان مقــاومة المستفيدين السابقين لتعطيل القرارات، ورغم ذلك نجحنا في استرداد عدد كبير من العقارات والأراضي، وأعدنا تسجيلها باسم الأوقاف، وكانت لدينا ملفات مدرجة من اللجنة أمام لجنة إزالة التمكين تنتظر القرارات للاسترداد عطلها الانقلاب.
- ما الآليات التي وضعتموها لضمان الشفافية في إدارة الأموال المستردة، بحيث تتحول هذه التجربة إلى نموذج يُحتذى في مكافحة الفساد؟
تمت حوسبة جميع المؤسسات الوقفية والإيرادات المالية وصرفها وهذا النموذج طبق في كثير من الولايات والأمانة العامة للأوقاف الاتحادية ووضعنا آلية للنشر الدوري للبيانات المالية الخاصة بالأوقاف المستردة عبر المؤتمرات الصحفية واعتمدنا مبدأ “المال العام يُدار أمام الشعب”، فكانت المؤتمرات الصحفية وسيلة لكشف كل خطوة هذه التجربة تصلح كنموذج لمكافحة الفساد إذا ارتبطت بالرقابة الشعبية والإعلام الحر.
- هل يمكن الكشف عن أبرز قصص النجاح في استرداد أموال الأوقاف، وكيف سيتم توظيف هذه الأموال في خدمة المجتمع؟
هنالك أكثر من مئات العقارات الموقوفة لصالح الفقراء والمساكين والأيتام والتعليم والصحة بيد مؤسسات ومنظمات وأفراد من النظام البائد كانت تحت سلطتهم نجحنا في استرداد عقارات كبرى في الخرطوم بلغت قيمتها (479 مليون دولار) وهذه فقط قيمة (81) عقاراً بولاية الخرطوم كانت تُدر مئات الآلاف من الدولارات لصالح أفراد، وهذه الأموال أعيد توجيهها لدعم التعليم الديني والخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم ودعم الفقراء والأيتام. وأبرز قصص النجاح:
- الجنينة: استرداد ما يقارب 500 كشك تجاري وأُعيد تسجيلها باسم الأوقاف.
- مدني: استرداد 104 دكاكين بالسوق الكبير كانت لصالح مؤسسة “كيزانية”، وجهنا 50% من ريعها لمستشفى أطفال السرطان بمدني.
- مشروع الجزيرة: إدراج مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية التي كانت مجهولة المالك ضمن ممتلكات الأوقاف، لتصبح قاعدة استثمارية ضخمة.
- نيالا: تشييد عمارة من طابقين بتمويل ذاتي وقفي كنموذج لقدرة المؤسسة على البناء دون موارد خارجية.
- كوستي: البدء في استرداد مصنع تعليب الأسماك الوقفي الذي نُزع بغير وجه حق واستُبدل بأرض زهيدة القيمة.
- في خضم الحـ.ـرب المدمرة، كيف يمكن لمؤسسة الأوقاف أن تلعب دورًا فاعلًا في جهود وقف إطلاق النار، بما في ذلك وضع خطط لاستخدام منابر المساجد لنشر ثقافة السلام؟
الأوقاف ليست مجرد مؤسسة مالية بل منبر ديني واجتماعي ويفترض استخدام المساجد لنشر ثقافة السـ.ـلام، عبر خطب موحدة تدعو لوقف القتال ونبذ الكراهية. والآن لدينا خطة لتدريب الأئمة على خطاب المصالحة ليكونوا وسطاء روحيين بين الأطراف المتحاربة.
- كيف يمكن توظيف الموارد المالية للأوقاف في دعم مبادرات السلام المحلية ومساعدة النازحين والمتأثرين بالحـ.ـرب؟
كان يفترض الموارد المالية للأوقاف أن توجه للنازحين واللاجئين خارج البلاد بدل أن يستجدوا طعامهم من الخارج وكان يمكن وبصورة عاجلة إنشاء صناديق إغاثة وقفية وتسويقها للدول الإسلامية. كما يمكن أن تكون الصناديق الوقفية رصيداً لتمويل مبادرات المصالحة المحلية مثل لجان السلم الأهلي في القرى والمدن عقب السـ.ـلام وإنهاء الحـ.ـرب.
- كيف يمكن معالجة الخطاب الديني المُحرّض على العنف، وما هي ضمانات عدم استخدام منابر المساجد لتأجيج الصـ.ـراع؟
أصدرنا لائحة تنظيم دور العبادة تمنع استخدام المنابر للتحريض السياسي أو الطائفي وتم تعديل قانون جنائي لأي شخص يثبت تورطه في فتنة دينية يحكم عليه بالسـ.ـجن 10 سنوات.
- ما هي ملامح المشروع الإصلاحي الذي تتبناه لمؤسسة الأوقاف، وكيف يمكن تحويلها من أداة للسيطرة السياسية إلى منصة للخدمة المجتمعية؟
تحويل الأوقاف من أداة للسيطرة السياسية إلى مؤسسة خدمية ركزنا فيها على التعليم والصحة والإغاثة كمجالات رئيسية لاستثمار أموال الأوقاف الإصلاح وهو ما يعني إعادة الثقة الشعبية في المؤسسة؛ حيث جاءتنا أوقاف جديدة موقوفة من السـ.ـودانيين بعد أن وثقوا بريعها يذهب للمستحقين وفق الإشهاد الشرعي. بل إن هنالك مواطنين جاءوا وبلغوا عن أوقاف بيد الغير. ووضعنا خطة لاستثمار الأوقاف خاصة الأراضي في السكن الطلابي والأراضي الزراعية المحاصيل وفق خطة محكمة من اختصاصيين زراعيين في زراعة محاصيل السوق المحلي والسنة القابلة للتصدير.
- كيف يمكن إصلاح الخطاب الديني ليكون داعمًا للديمقراطية والمواطنة، وما موقفكم من الخطاب الطائفي الذي غذى الصـ.ـراع؟
الخطاب الديني يجب أن يدعم السـ.ـلام والاستقرار وليس أعظم من الاستقرار السياسي وهو من الاستقرار المجتمعي وتقدم البلاد والاستفادة من مواردها؛ لذلك دعم الديمقراطية والمواطنة المتساوية هو واجب ديني وإنساني ووطني. موقفنا من الإصلاح كان واضحاً برفضنا لأي خطاب يميز بين السـ.ـودانيين على أساس الدين أو العرق وسعينا لتوحيد المنابر حول قيم الحرية والعدالة والسـ.ـلام وبدأنا في تدريب 2600 إمام وداعية في جميع ولايات السـ.ـودان على الوسطية والاعتدال وقبول الآخر بإدارة التنوع بما فيهم تدريب المسيحيين على دور الكنيسة في بناء الوطن.
- ما هو الموقف المبدئي لكم كوزير أوقاف سابق من الانقلاب العسكري الذي أنهى الفترة الانتقالية، ومن الحـ.ـرب الدائرة حالياً؟
الانقلاب العسكري لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان جريمة مكتملة الأركان بحق ثورة ديـسمبر وأحلام الشعب السـوداني في الحرية والسلام والعدالة. لقد أطاح الانقلاب بالمسار المدني الديمقراطي الذي دفع السـودانيون ثمنه دماءً وتضحيات جساماً وأعاد إنتاج ذات منظومة العنف والتمكين التي ثار عليها الشعب ومن رحم ذلك الانقلاب وُلدت الحـ.ـرب الحالية التي مزّقت البلاد وأدخلتها في دوامة جديدة من الاقتتال، لتؤكد أن أي محاولة لفرض السلطة عبر القوة العسكرية لا تجلب سوى الخراب والانقسام. موقفنا المبدئي واضح لا لبس فيه: لا حل بالسلاح ولا مستقبل يُبنى على فوهات البنادق. إن الحل الوحيد الذي ينفع ويبقى هو العودة إلى المسار المدني الديمقراطي حيث تكون السلطة للشعب والقرار عبر المؤسسات المنتخبة والشرعية مستمدة من الإرادة الشعبية لا من الانقلابات، هذا هو الطريق الذي يضمن وحدة السـودان ويعيد الثقة بين مكوناته، ويضع حداً لدائرة الدم التي لا تنتهي.
- كيف تقيمون الأداء السياسي والديني للتيار الإسلامي خلال الفترة الانتقالية، وهل تعتقدون أن هناك أخطاء ساهمت في فشل المسار الانتقالي؟
التيار الإسلامي خلال الفترة الانتقالية لم يتخلَّ عن أدواته القديمة في السيطرة وأخطاؤه الكبرى كانت في رفض الإصلاح والتمسك بالتمكين، مما ساهم في تقويض الانتقال مع الجيش وحلفائه من الحركات، وللسلطة الدينية بقيادة الحركة الإسلامية والسلفية الجهادية تحالف أسموه التيار الإسلامي العريض والذي كان يقود المظاهرات التي أطلقوا عليها الزحف الأخضر وهو مشروع حركة الإخوان المسلمين في العودة للسلطة.
- كيف تقرأ الدور الروحي والأخلاقي لانتفاضة ديــسمبر 2018، وما هي الرسالة الدينية الحقيقية التي حملتها انتفاضة الشعب ضد النظام الإسلاموي السابق؟
انتفاضة ديسمبر حملت رسالة دينية عميقة: أن الدين لا يُستخدم لتبرير الظلم وأن الشعب خرج بشعار “حرية، سـ.ـلام، وعدالة”، وهو جوهر القيم الدينية الحقيقية وأنه مارس حقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورفع الظلم عن نفسه ووطنه ووقف الفساد والعبث بمقدرات الدولة والاستئثار بالموارد وهو ضد الإرث غير المنسجم مع الفطرة في الخنوع والخضوع للظالم وأن “آكل مالك وجلد ظهرك” ليس من الدين في شيء، وإلا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سلطانٍ جائرٍ) وقوله عليه الصلاة والسلام (سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فـ.ـقتله) كما في الصحيحين. وهذا ما استندتُ عليه شرعاً في منبري بمسجد الأمة بربك حينما كنت خطيباً له لمدة 17 عاماً ما هادنتُ فيها النظام وتعرضتُ للاعتقال والسـ.ـجون عدة مرات وهو ما كان عليه زملائي الدعاة والوعاظ في عدد من المنابر.
- كيف يمكن للأوقاف أن تساهم في نزع فتيل التوترات الطائفية والإثنية التي تفاقمت بسبب الحـ.ـرب؟
الأوقاف والشؤون الدينية ووفق السلطة الروحية التي تتمتع بها في المجتمع يمكن أن تكون رأس الرمح في فض النزاعات ويمكنها قيادة مبادرات الحوار بين المكونات الإثنية والدينية عبر مشاريع مشتركة، تُبنى جسور الثقة بين المجتمعات المتصارعة وتنخرط في مؤسسات الإصلاح والمصالحة. واليوم لدينا مع الرفاق في قوى الثورة (صمود) وحلفائها لجنة السلم ورتق النسيج الاجتماعي التي تتبنى خط التماسك المجتمعي والمصالحات وفض النزاعات.
- كشخص عايش المراحل المختلفة من تاريخ السـودان الحديث، كيف ترون تطور دور المؤسسة الدينية في الحياة العامة؟
المؤسسة الدينية في السـودان مرت بمراحل: من مؤسسات رائدة في دعم التحرر والتحفيز على إخراج العدو من البلاد إلى مؤسسات عملت كأداة للشرعية السياسية ومنصة للتمكين الحزبي الفاسد، ثم إلى أداة إصلاح في عهد الثورة؛ فمنذ الإعداد والتخطيط للثورة مروراً بتنفيذ الخطط في التعبئة والخروج للشوارع كانت هنالك مؤسسات وأفراد مع خط الثورة وفي الميدان مع الثوار؛ فالمستقبل يجب أن يكون في خدمة المجتمع لا السلطة.
- كمسؤول عن مؤسسة دينية كبيرة، ما هي رسالتكم للأطراف المتحاربة وللشعب السـ.ـوداني في هذه اللحظة المصيرية؟
رسالتي لقادة الحـ.ـرب: أوقفوا الحـ.ـرب فوراً فليس فيها منتصر والخاسر هو الوطن والمواطن ـ وحروبنا جميعها انتهت بالتفاوض لكن للأسف بعد دمار وفقد للأرواح والممتلكات والموارد التي كانت كفيلة بتنمية الريف المظلوم التي هي أحد أهم أسباب قيام قوى الحركات المسـ.ـلحة بالتمرد على السلطة القائمة ديمقراطية كانت أم دكتاتورية.
وللشعب السوداني: تمسكوا بالثورة وقيمها، فالدين الحقيقي يقف معكم ضد الظلم وأن ثورتنا ما قامت وما انتصرت إلا لأنها ضد القهر والظلم واليوم الدور عليكم أكبر والظلم أعظم فلا تيأسوا فالنصر للثورة والتغيير وأهله والوطن أبقى.
ورسالتي لخطباء المنابر وبخاصة القيادات الدينية ورؤساء المؤسسات: ارفعوا أصواتكم بالسـلام فالمسؤولية الأخلاقية والدينية والإنسانية عليكم أكبر وأعظم؛ فأنتم قادة المجتمعات والصوت الروحي غائب طوال الفترات السابقة في مقابل صوت فتاوى شرعنة الحـ.ـرب والجهاد باسم الله والدين وهي فتاوى تمكين سياسي باطلة.

Leave a Reply