سماح طه
أن يحصد عرض مسرحية (نون الفجوة) جوائز أفضل عرض، وأفضل إخراج، وأفضل سينوغرافيا، في مهرجان مسرح الجنوب بقنا، فذلك ليس مجرد انتصار فني عابر، بل لحظة فارقة تستحق التوقف عندها طويلًا. لحظة تقول بوضوح إن هناك من يعملون بصمت، ومن قلب الألم، ليردموا فجوة القبح بكثير من الإبداع.
في زمن تتكاثر فيه مشاهد الخراب، وتضيق فيه مساحات الجمال، يأتي هذا الفوز كصفعة ناعمة على وجه اليأس، وكإشارة مضيئة إلى أن الفن لا يزال قادرًا على المقاومة؛ ليس ترفًا ولا رفاهية، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان ما تبقى من روحه.
(نون الفجوة) لم تنتصر لأنها فقط أحسنت توظيف أدوات المسرح، بل لأنها انحازت بصدق إلى الإنسان؛ إلى قلقه وانكساراته وأسئلته المعلّقة في الهواء. كانت خشبتها مساحة للبوح، وتفكيك الألم، وإعادة تشكيله في صورة يمكن احتمالها والتأمل فيها.
السينوغرافيا التي نالت استحقاقها لم تكن مجرد خلفية بصرية، بل شريكًا في الحكي، تنطق بما يعجز عنه الكلام، وتؤسّس لعالم موازٍ يختصر المسافة بين المتلقي والنص. أما الإخراج، فقد بدا وكأنه يلتقط خيوط الفوضى بعناية، ليحيك منها عرضًا متماسكًا نابضًا بالحياة رغم ما يحيط به من موت رمزي.
ولا يمكن تجاوز هذا الإنجاز دون التوقّف عند المخرج الفنان محمد عليش، أحد الأعمدة التي يرتكز عليها تجمع الفنانين السودانيين بمصر، وهو فنان ملتزم في المقام الأول، ومبدع مشغول بقضايا المسرح والمسرحيين، يحمل همّ هذا الفن بوصفه رسالة وموقفًا.
إلى محمد عليش، مبارك هذا الفوز المستحق الذي يشبهك ويشبه إيمانك العميق بأن المسرح قادر على أن يكون صوتًا في وجه الصمت ونورًا في عتمة المشهد.
ويمتد الاحتفاء ليشمل كل الفريق الذي وقف خلف هذا العمل، أولئك الذين آمنوا بالفكرة وصبروا على تفاصيلها ونسجوا هذا الجمال خيطًا خيطًا حتى خرج إلى النور بهذا البهاء. فهذا الفوز لم يكن وليد جهد فرد، بل ثمرة روح جماعية تعرف كيف تحوّل الألم إلى معنى والتحدي إلى إنجاز.
لقد نجح هذا الفريق في أن يطيل أعناقنا فخرًا أمام العالم المسرحي في ظرف بالغ القسوة، وكأنهم يقولون إن الإبداع لا ينتظر اكتمال الشروط، بل يخلق شروطه بنفسه. لهم جميعًا التحيّة، ولهم هذا المجد الذي يستحقونه؛ فقد أثبتوا أن المسرح، حين يُصنع بإخلاص، قادر على أن ينتصر حتى في أكثر الأزمنة انكسارًا.
ويبقى الأمل أن يتجاوز الاحتفاء بهذا الفوز حدود التكريم العابر وكلمات الشكر، إلى أفعال حقيقية من الجهات المسؤولة عن رعاية الإبداع، عبر دعم هذه التجارب ورعايتها واستثمارها، حتى تتكاثر وتترسّخ. فالإبداع الذي لا يجد سندًا مؤسّسيًا يظل مهدّدًا بالانطفاء مهما اشتعلت جذوته.
في النهاية، ليس السؤال من فاز، بل ماذا يعني هذا الفوز؛ ويعني ببساطة أن الإبداع، مهما ضاقت به المساحات، قادر دائمًا على أن يجد طريقه وأن يهزم القبح، ولو مؤقتًا.

Leave a Reply