أفلام كرتون

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

هناك شيءٌ عبقريٌّ في أفلام الكرتون، شيءٌ لا يمكن شرحه بسهولة، شيءٌ يشبه الطفولة لكنه أعمق من الطفولة نفسها، كأنه ذاكرةٌ قديمةٌ تسكننا ولا تغادر.
مثلًا عالم (توم آند جيري)، نظل نعود إليه ليس لأننا نبحث عن الضحك فقط، بل لأننا نبحث عن شيءٍ مألوف، عن تلك اللعبة الأبدية بين الضعف والقوة، بين المطاردة والنجاة، بين الخطأ والغفران.
الغريب أننا مهما كبرنا نظل نريد نجاة (جيري)، نحب أن يهرب وأن ينجو وأن يضحك في النهاية، لكننا في لحظةٍ صامتةٍ نشفق على (توم).. (توم) ليس شريرًا كما يبدو، هو فقط ساذجٌ قليلًا، يحاول، يفشل، ينهض، ويعود ليحاول من جديد، كأنه نحن في أيامنا العادية. وجيري ليس بريئًا تمامًا، فيه لؤمٌ صغيرٌ وذكاءٌ حاد، لكننا نحبه لأنه خفيف، لأنه ينجو، لأنه يذكّرنا بذلك الجزء فينا الذي يريد أن يفلت من كل شيء: من القلق، من الخسارة، من الهزائم الصغيرة.
ربما عبقرية الكرتون ليست في الرسم ولا في الضحك، بل في هذه المعادلة البسيطة: أنه يجعلنا نحب الطرفين، الذي يطارد والذي يهرب.
والأجمل أن هذا لم يعد حكرًا على الورق القديم، فالآن حتى القطط التي يصنعها الذكاء الاصطناعي ترقص، ونقف نحن نتأملها ونبتسم: قطٌّ رماديٌّ دقيقٌ مضبوطٌ يعرف الإيقاع جيدًا، وقطٌّ برتقاليٌّ يترك جسده للموسيقى، يرتبك قليلًا، يتردد، يخطئ، لكنه يخطف القلب لأننا لا نحب الكمال بقدر ما نحب الصدق. الرمادي يشبه ما نريد أن نكونه، والبرتقالي يشبه ما نحن عليه فعلًا.
الحياة في جوهرها تشبه حلقةَ كرتونٍ طويلة: نطارد أشياء لا نصل إليها، ونهرب من أشياء تلاحقنا، نقع، ننهض، نضحك أحيانًا على أنفسنا، ونبكي أحيانًا دون سببٍ واضح، وفي النهاية لا أحد ينتصر تمامًا ولا أحد يخسر تمامًا، لكننا نستمر. وهنا تكمن العبقرية: أن يجعلنا الكرتون نرى أنفسنا دون أن نخاف، أن نضحك على جروحنا بدل أن ننكرها، وأن نتقبل أننا قد نكون توم في يوم وجيري في يومٍ آخر.
ولو دخلنا إلى عالم (السيمبسون)، فنحن لا نغادر الكرتون بل نغوص أعمق فيه. هناك لا يطارد أحد أحدًا فقط، بل يطارد العالم نفسه. نضحك على (هومر) وهو يهرب من وعيه دون أن يدري، ونبتسم لـ(بارت) وهو يتمرّد نيابةً عنا، ونحب (ليزا) لأنها تعرف أكثر مما ينبغي وتحمل عبء هذا الفهم وحدها. أما ما يسمى بنبوءات (السيمبسون) فليست معجزة، بل بصيرة: أن ترى العالم كما هو وتتخيّل إلى أين يمكن أن يصل.
الكرتون هنا لم يعد مهربًا، بل صار أداةَ فهم، طريقةً ناعمةً لنقول أشياء قاسية دون أن ننكسر، لكن العبقرية لا تقف عند الفكرة فقط، بل تسكن التفاصيل الصغيرة التي تمر سريعًا لكنها تبقى في القلب.
في عالم (ميكي ماوس)، حين يلتقي (بطوط) بـ(ميمي) وتقفز عينا (ميكي) قلوبًا، نضحك، لكننا نشهد لحظة حبٍّ خالصة، بسيطة إلى حد الطفولة، صادقة إلى حد الدهشة. دلال (ميمي) وغنجها وتراقصها الخفيف ليست مجرد حركة مرسومة، بل تعريف كامل للحب حين يكون خفيفًا بلا تعقيد. وحين ينعس( بطوط) ويحاول أن يُبقي عينيه مفتوحتين، فيرفع جفنيه ويلزقهما بلاصق، نضحك، لكننا نعرف هذا التعب، نعرف تلك اللحظة التي نقاوم فيها السقوط، ليس في النوم فقط بل في الحياة.
هذه التفاصيل هي العبقرية الحقيقية: أن ترسم حركةً صغيرةً فتحمل داخلها إنسانًا كاملًا. وهنا نفهم أخيرًا أن الكرتون لم يكن يومًا مجرد كرتون، بل كان دائمًا حياة، لكن بلغة ألطف، لغة تسمح لنا أن نرى ونفهم ونضحك دون أن نخاف من ثقل ما نراه.
لذلك، إن شعرت يومًا أن هذا العالم أثقل من أن يُحتمل، وأن الأخبار أكثر مما يجب، وأن القلب تعب من الفهم الزائد، اجلس مع من تحب، افتح فيلمًا كرتونيًا، واضحك كما لو أن العالم بخير ولو لساعةٍ واحدة، ليس هروبًا بل استراحة محارب، فأحيانًا النجاة لا تحتاج أكثر من قلبٍ خفيف وحلقة كرتون خفيفة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.