مجدي علي
عاشت الفنانة الراحلة طيبة الهاشمي ورحلت كما عاش كثير من المبدعين الذين لا يُلتفت إليهم إلا متأخرًا، حين يتحوّل الغياب إلى مرآة تكشف ما كان مخفيًا من جمال التجربة وقيمتها. أولئك الذين يمرّون بخفّة في زمنهم، ثم يتركون بعد الرحيل أثرًا يزداد وضوحًا كلما ابتعدنا عنهم أكثر، وكأن الضوء لا يشتغل إلا متأخرًا في ذاكرة الفن.

ظهرت طيبة الهاشمي في سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة ثرية في المشهد الغنائي السوداني، إلا أن حضورها ظل خافتًا رغم امتلاكها لصوت جميل وأداء رقيق ومفعم بالإحساس. لم تنل ما يوازي موهبتها من انتشار أو دعم إعلامي، وظلت أعمالها أقرب إلى الذاكرة الإذاعية منها إلى التداول الجماهيري الواسع، رغم أنها سجلت حضورًا حقيقيًا في أرشيف الإذاعة السودانية بعدد من الأغنيات التي حملت بصمتها الخاصة، لكنها بقيت محصورة بين التسجيل والبث ولم تأخذ طريقها الكامل إلى الضوء.
تنتمي الراحلة إلى منطقة الكلاكلة القبة بالخرطوم، بدأت رحلتها الفنية من جذور الغناء الشعبي، حيث ارتبط صوتها في بداياته بـ(الدلوكة) بما تحمله من صدق تلقائي وقرب من وجدان الناس. ومن هذا المدخل الشعبي، انتقلت إلى فضاء الغناء الإذاعي، لتقدّم أعمالًا اتسمت بنبرة حزينة وشفافة، كأنها تعكس شيئًا من تجربتها الإنسانية العميقة، وما حملته من ألم وصبر ومقاومة هادئة للحياة.
ومن أبرز أغنياتها التي عُرفت بها أغنية (طال سهادي)، وهي من كلمات الشاعر كباشي حسونة وألحان الفنان عبد الماجد خليفة، وقد جاءت هذه الأغنية محملة بشجنٍ خاص، يعكس حساسية صوت طيبة الهاشمي وقدرته على التعبير عن الألم الإنساني العميق، قبل أن تعيد الفنانة فهيمة عبد الله تداولها لاحقًا ضمن برنامج (نجوم الغد)، لتعود إلى الواجهة بأداء جديد، بينما بقي الأصل مرتبطًا باسم طيبة الهاشمي في سياقه الأول.
كما سجلت مجموعة من الأغنيات الأخرى التي بقيت شاهدة على تنوع تجربتها، من بينها (المهيرة عقد الجلاد)، (كلّي حنان)، (عواطف)، (عودني عليك)، (أجمل ريد)، (جافاني الوطن وأمدرماني)، (سنين)، و(الشيخ سيّرو)، و( أديني حنّية) للشاعر تاج السر عباس.
ولا تُذكر هذه الأعمال بوصفها قائمة أغانٍ فقط، بل بوصفها ملامح صوت كان يحاول أن يجد مساحته وسط مشهد مزدحم بأصوات أكثر حظًا في الانتشار، لكنها أقل صدقًا في بعض الأحيان.
لم تكن مسيرتها الفنية مجرد رحلة صوت، بل كانت أيضًا امتدادًا لتجربة إنسانية قاسية، إذ عانت الراحلة من إعاقة (شلل الأطفال)، لكنها واجهت ذلك بإصرار لافت، ولم تسمح له بأن يوقف شغفها بالغناء أو يقلّل من حضورها الإبداعي. بل على العكس، يمكن لمن يتأمل أداءها أن يلمس تلك النبرة الخاصة التي تمتزج فيها الحساسية بالألم، وكأن الصوت نفسه كان يحمل ما لا يُقال، وما لا يمكن أن تقوله الكلمات وحدها.
وعلى المستوى الشخصي، عاشت طيبة الهاشمي محطات مؤثّرة، إذ تزوجت في بداياتها من الملحن عبد الماجد خليفة، في تجربة فنية وإنسانية لافتة، حيث ارتبط الزواج بالموسيقى ذاتها، حتى إن العزف والغناء حضرا في حفل زواجهما بشكل غير مألوف، في مشهد يعكس طبيعة تلك المرحلة وصدقها الفني. ثم تزوجت لاحقًا من الشاعر محمد علي أبو قطاطي، وأنجبت منه ابنها الوحيد ناجي، لتكتمل بذلك ملامح حياة جمعت بين الفن والأسرة والتجربة الإنسانية بكل تعقيداتها.
ومع مرور السنوات، بدأت الراحلة تنسحب تدريجيًا من المشهد الغنائي، قبل أن تتجه في مراحلها الأخيرة إلى العمل الديني والاجتماعي في منطقة الكلاكلة صنقعت، حيث ارتبطت بتجربة روحية مع الشيخ إبراهيم الزين، في تحوّل يعكس جانبًا آخر من رحلتها الشخصية نحو الهدوء والسكينة بعد سنوات من العطاء الفني الصامت.
وفي نهاية عام 1996، رحلت طيبة الهاشمي عن الدنيا كما عاشت فيها: بهدوء، بلا ضجيج، وبلا احتفاء يليق بتجربتها. غابت الجسد، لكن بقي صوتها في التسجيلات، وبقيت أغنياتها شاهدة على موهبة لم تُنصف كما ينبغي، وعلى مسار فني يشبه الكثير من الحكايات السودانية التي لم تجد طريقها الكامل إلى الضوء.
إن سيرة طيبة الهاشمي هي حكاية جيل كامل من الأصوات التي عاشت في الظل، وراكمت أثرها بصبر، ثم رحلت بصمت، لتترك لنا سؤالًا مؤلمًا وبسيطًا في آن: كم من الجمال مرّ هنا ولم ننتبه إليه إلا بعد أن غاب؟

Leave a Reply