زين العابدين الطيب عثمان
هو تناقضٌ لا يمكن تجاهلُه ولا تبريرُه.
فكرةُ المجتمعِ المدني تقوم على الاستقلال والرقابة والمساءلة، بينما تقومُ العقليةُ العسكرية على السيطرة والانضباط الأحادي وإقصاء التعدد.
ما نشهده اليوم ليس بناءً حقيقيًا لمجتمعٍ مدني، بل هو محاولةٌ لإعادة تشكيله من داخل غرفٍ مغلقة، حيث تُصنع الكيانات وتُمنح أسماءً براقة، ثم تُسوَّق للرأي العام وللمجتمع الدولي على أنها تمثل صوت الشعب.
هذه الكيانات لا تنشأ من القواعد، ولا تعبّر عن الناس، ولا تستمد شرعيتَها من واقعٍ حقيقي، بل من توافقاتٍ ضيقة ومصالح مؤقتة.
ثم سرعان ما تختفي هذه الأجسام عندما يُطلب منها الفعل الحقيقي أو المواجهة أو تقديم رؤية واضحة، لتعود لاحقًا بوجوه مختلفة، وبلا أي مساءلة، وكأن شيئًا لم يكن.
هذا النمط لا يبني مؤسسات، ولا يصنع تحوّلا ديمقراطيًا، بل يكرّس أزمة الثقة، ويعمّق الفجوة بين المواطن والعمل العام.
الديمقراطية ليست شعارًا يُرفع، ولا لافتة تُعلّق.
الديمقراطية ممارسةٌ يومية تقوم على الشفافية والمحاسبة والتمثيل الحقيقي.
والمجتمع المدني ليس واجهة تُستخدم لتجميل المشهد، بل هو قوة مستقلة تدافع عن الحقوق، وتراقب السلطة، وتعبّر عن الناس بصدق.
لا يمكن الحديث عن دعم دون شفافية، ولا يمكن ادعاء الشرعية دون تمثيل حقيقي، ولا يمكن بناء مؤسسات دون مصداقية راسخة وحضور فعلي على الأرض.
كل ما عدا ذلك ليس سوى قناعٍ مؤقت سيسقط مع أول اختبارٍ حقيقي.
في السودان يدور صراعٌ حقيقي بين من يعملون بجد من أجل ترسيخ مدنية الدولة وبناء مؤسسات حرّة ومستقلّة، وبين من يسعون إلى عسكرة الفضاء المدني وإخضاعه لمنطق السيطرة.
هذا الصراع ليس سياسيًا فقط، بل هو صراعٌ على طبيعة الدولة نفسها، وعلى مستقبل المجتمع.
الرهان اليوم يجب أن يكون على الوعي، وعلى دعم الأجسام الحقيقية التي تنشأ من القواعد، وتعمل وسط الناس، وتحمل قضاياهم بصدق.
فالمجتمع المدني هو أساس أي تحوّل ديمقراطي حقيقي، وإذا تم اختطافه أو تزييفه، فإن الديمقراطية نفسها تصبح مهددة في جوهرها.
نعمل على مدنية الدولة، وهم يعسكرون المجتمع المدني.
نقول: حرية، سلام، وعدالة.. وستظلُّ المدنية خيار الشعب.

Leave a Reply