شيخنا سيد محمد
حين يسقطُ الفنّ بين الخطابِ الهابطِ ونقدِ الساقطِ، فإنّه يُصبح رسالةَ هدمٍ. يمكننا أن ننتقد، ويمكننا أن نختلف، لكن لا يمكننا السقوط في مستنقع البذاءة والإساءات.
الفنُّ رسالةٌ، وإن لم تكن له رسالةٌ، فهو فنٌّ هابطٌ ومدمّرٌ؛ لذلك لا بدّ أن تكون للفنّ رسالةٌ، من أجل الحكم عليه من حيث الجودة والرداءة. فإذا كان هادفًا فهو فنٌّ جيّدٌ، وإن كان بلا رسالةٍ فهو فنٌّ هابطٌ.
وما أحوجَنا هذه الأيام، ونحن في عصر الفضائيات والأقمار الصناعية ومنصّات التواصل الاجتماعي، إلى فنٍّ هادفٍ يسمو بالمواطن الموريتاني، ويهذّب وجدانه، ويوعي الشبابَ الذين هم عماد هذا البلد وأمله ومستقبله المشرق، ويغرس الوطنية والانتماء في قلوبهم، ويحثّهم على إعمال عقولهم في كلّ شيء، وعدم الخضوع والاستسلام لأيّ شخصٍ أو جماعةٍ أو فئةٍ ضالّةٍ تحرّضهم على الإساءة إلى وطنهم، وتكفير مجتمعهم، وتفسيق علمائهم، ويحثّهم على عدم التشدد والتطرف في التعامل مع أسرهم وأصدقائهم وحكّامهم، أو الإساءة إلى أيٍّ منهم.
فمقاومة التطرف والإرهاب ليست أمنيةً وعسكريةً فقط كما يعتقد البعض، بل يجب أيضًا، بالتوازي، مجابهةُ الأفكار الظلامية الهدّامة عن طريق الفكر والتنوير؛ لذلك فإنّ الفنّ الهادف، بجميع أنواعه، قادرٌ على أن يكون سلاحًا فكريًا قويًا، يستطيع مواجهة التطرف عن طريق تعميق ثقافة السلام والحوار داخل المجتمع، وتأصيل وتقوية الانتماء والحسّ الإنساني وحبّ الوطن لدى الأفراد، وكبح جماح العنف والإرهاب والتوحّش، والسموّ بالروح الإنسانية، وإعادتها إلى صفائها ونقائها وفطرتها التي جبلها الله عليها، لنتمكّن في النهاية من خلق مواطنٍ سويٍّ ومتوازنٍ فكريًا، يستطيع أن يميّز بين الحقّ والباطل، وبين الضارّ والنافع، وبين الجيّد والرديء.
وبين النقد الهادف، والخطاب الهابط، ونقد الساقط، والبذاءة والإساءة، فرقٌ كبير.
وممّا يؤسف له أنّه، في الوقت الذي يقوم فيه بعض الفنانين بأعمالٍ هابطةٍ، قائمةٍ على الخطاب الهابط ونقد الساقط والإساءة البذيئة التي لا تهدف سوى إلى تحقيق الربح، فإنّ الجماعات الخبيثة قد فطنت إلى أهمية الفنّ ودوره، وخصوصًا الفنون المرئية وقدرتها على التأثير والجذب؛ فقامت هذه الجماعات ببثّ العديد من الأفلام التسجيلية والأناشيد الغنائية، مستخدمةً في ذلك أعلى التقنيات والتكنولوجيا الحديثة والإخراج عالي المستوى، الذي يجعل من يشاهدها، على الأقل، يُعجب بها ويتابعها إصدارًا وراء إصدار.
بل بلغ قبح هذه الجماعات وخبثها أنّها تسيء لكلّ ما هو رمزٌ لهذا المجتمع من علماءَ وفقهاءَ وأئمّةٍ وسياسيين، في تسجيلاتٍ مرئيةٍ تسوق فيها الأسباب والذرائع التي دفعتها إلى ارتكاب هذه الجرائم بصورةٍ فنيةٍ وإخراجٍ مؤثّر، يصوّرهم وكأنّهم ضحايا ومظلومون؛ الأمر الذي يجعل البعض، وخصوصًا من حُرموا الثقافة، يتعاطف معهم ويلتمس العذر لهم، ثمّ رويدًا رويدًا يتحوّل هذا التعاطف إلى كارثةٍ كبرى، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. و”الذئاب المنفردة” خير دليلٍ على ذلك.
فكم من رويبضةٍ مسيءٍ أثقل أسماعَ المجتمع الموريتاني ببذاءة الإساءة إلى العلماء والفقهاء والأئمّة.
فإذا كانت هذه الغوغاء تستطيع أن تستغلّ الفنّ هذا الاستغلال، وهي على باطل، فما بالك لو استغلّ فنّانونا الفنّ استغلالًا جيّدًا في توعية المجتمع ومحاربة الأفكار المتطرفة والإساءة والبذاءة، وهم على حقّ؟ وخصوصًا في عصرنا الحالي الذي قلّت فيه القراءة، وكثرت فيه المشاهدة؛ فكما أنّ الخبر المرئي أكثر تأثيرًا من الخبر المكتوب، ويستهدف قاعدةً أكبر، فإنّ العمل الفني المرئي أكثر تأثيرًا من المقال أو الخطاب أو حتى الكتاب، ويستطيع الوصول إلى عددٍ كبيرٍ من الناس لا يستطيع الكتاب الوصول إليه؛ لذلك يجب على الفنانين أن يلعبوا دورًا أكبر في محاربة التطرف.
ويجب على الجميع أن يدرك أنّنا قد نختلف في الآراء ووجهات النظر، لكنّنا لا ننزل إلى مستنقع البذاءة والإساءات والاستخفاف بكلّ شيء، للوصول إلى أهدافٍ قد نكون فيها على باطل، ومن ننتقد على حقّ.
-كاتب من موريتانيا

Leave a Reply