ميلاد حزب البعث في السودان.. جذوة النضال الوطني ومشروع أمّة لا تعرف الانكسار

صحيفة الهدف

خالد ضياء الدين

لم يكن ميلاد البعث في السودان ترفًا ولا إضافةً على هامش صفحات النضال الوطني والقومي، بل كان إضافةً حقيقية كُتبت في صفحات نضال البعث قبل إعلان ميلاد الحزب، إذ عمل وسط تنظيمات الاشتراكيين العرب، ونشطت خلاياه خلال فترة حكم عبود (1958 – 1964)، حتى لحظة اتخاذ قرار التبعيث وإعلان التنظيم (حزب البعث العربي الاشتراكي).
قبلها، كان للرعيل الأول دورٌ مهم في حركة النضال الوطني؛ فقد كان الأستاذ شوقي ملاسي، المحامي، هو الذي دعا لتبنّي الإضراب السياسي والعصيان المدني في أكتوبر 1964، ومن قبله كان الشهيد محمد سليمان الخليفة عبد الله التعايشي يؤدي دوره الحزبي عضوًا في القيادة القومية، خاصة بعد الردّة الشباطية في سوريا عام 1963. كذلك كان للأساتذة بدر الدين مدثّر، وعلي الريّح السنهوري، وعثمان إدريس أبو راس، ومحمد الضو عمران، وغيرهم كُثر، دورٌ مقدّر في دعم الحراك الجماهيري ضد ردة انقلاب مايو 1969، حتى فُتحت السجون والمحاكم العسكرية لتقضي بأحكامها الجائرة على بعضهم لفترات امتدت إلى خمسة أعوام.
حينها، لم يكن نضال البعثيين في السودان بمعزل عن النضال القومي؛ فقد انخرط الكثير منهم متطوعين في جبهات القتال في فلسطين ضمن جبهة التحرير العربية، أمثال الشهيد إسماعيل عبد الله مالك، وكثير من الشباب آنذاك. وقد امتد عطاؤهم بالجهد والدم إلى الدفاع عن البوابة الشرقية للوطن العربي، حيث خلّد سفرها تضحيات الرفاق من قطر السودان الذين استشهدوا أو أُصيبوا أو تم أسرهم في صولات القادسية الثانية وأم المعارك والحواسم، انطلاقًا من قناعة البعثيين الفكرية بحمل السلاح دفاعًا عن الأمّة ضد الاستعمار. لذلك كان خيار الكفاح الشعبي المسلح منهجًا عمليًا خاضوه دفاعًا عن حدود الأمة ومكتسباتها، بينما رفعوا شعار النضال السلمي الديمقراطي داخل أقطارها حفاظًا على وحدة الشعب والتراب، ورغبةً صادقة في ألا يتحوّل العمل السياسي المدني إلى صراع دموي يستنزف إنسان وموارد الأقطار ويبدّد جهد أبناء الوطن الواحد في حروب داخلية أغلبها، إن لم نقل كلها، بالوكالة.
لقد كان ميلاد البعث في السودان نتاجًا طبيعيًا لتفتح أزهار حديقة السياسة بعد الاستقلال، وقد اختار أن يحافظ على “موزاييك” الوطن، وأن يقدّم نموذجًا للعروبة بعيدًا جدًا عن المظهر الشكلي العنصري، بل تعمّق في استحقاقها الثقافي التاريخي والمصير الواحد المشترك؛ لذلك كان ميلادًا أصيلًا للوحة شاملة وحدّت معانيها اللغة والثقافة والتطلّع للانتماء إليها.
لم يكن البعث عنصريًا أبدًا ولن يكون، وقد وُلد وترعرع في مختلف بقاع السودان: في جبال التاكا، وجبال النوبة، وجبل مرّة، وجبل جاري، وفي الإنقسنا، وقبل انفصال الجنوب، وفي صحراء البطانة وصحاري الشمال، وبين رمال كردفان، حيث كانت مدينة الأبيّض نَوّارة الطلع التي قطفت ثمارها الأمة العربية وحزبها، حزب البعث العربي الاشتراكي. فكان الأستاذ المناضل (السنهوري)، ومن قبله تمخّضت دمشق عن ولادة (عفلق)، وعندما عجنت الأمة كناتنها قدمت قرية العوجة في تكريت (صدّام حسين).
وهنا في الخرطوم، العاصمة، كانت جامعاتها وبيوتها تحتضن وتردد شعارات القومية العربية، وتكتبها على جدران منازلها، ويتغنى بها العمالقة من المطربين والشعراء المبدعين. وعندما احتضنت لآتها الثلاثة وألّفت بين قلوب حكامها العرب المختلفين، فسطر التاريخ لها مجدًا ورفع لها علمًا بألوانه الأربعة، وانحنى لها الجميع؛ لأنها حنَت عندما تجنّى البعض، واقتربت عندما نفر البعض، وتبنّت عندما تنكّر المتنكرون.
غنى عبد الكريم الكابلي للثورة العربية ولفلسطين، وردّد معه الشعب: “مصر يا أخت بلادي يا شقيقة”، و”هبّت الخرطوم، وكان بعثًا عربيًا”، مثلما ردّدوا معه: “ما دايرالك الميتة أم رمادًا شح”، ثم طفق يغني للمناضلات في فلسطين والجزائر، كما غنى لبنات نوري: “اللوري تشيل منو غير بنات نوري تشيل منو”.
ميلاد البعث في السودان هو امتداد لميلاده الأكبر في 7 أبريل 1947، وتعبير عن حقيقة ماثلة عجز أعداء الأمّة عن طمس معالمها، وهي أن البعث لا يموت ما دامت هناك أمّة ولغة ودين ورسالة تتجدّد وتأخذ أشكالًا متعدّدة للخلود، مستعدّة أن تتبارى مع الأمم.
لم يواجه ميلاد البعث تعقيدًا في السودان، فقد تجذّر في كل ربوع السودان لأنه حزب الفطرة السليمة، مثلما تجذّر في أركان الأمّة، مشكّلًا قواعد ترتكز عليها للنهوض الدائم، وتمنعها من الانحناء في وجه الاستبداد الإمبريالي والصهيوني.
في ذكرى ميلاد البعث، نجدّد العهد أن نظل أقوياء بلا غرور، متواضعين من غير ضعف، عصاة على التركيع، محبين لشعبنا وأمتنا، خدّامًا لا أسيادًا، مع شعبنا في كل أحواله، إن أصابه الفرح أصابنا، وإن ناله الكره نلنا معه، وكان لنا فيه النصيب الأكبر، لأننا أول من يضحي وآخر من يستفيد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.