د.عصام علي حسين
هل هنالك علاقةٌ بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية في سياق التقديم والتأجيل؟
وما هي حدود علاقتهما في هذا السياق أو في غيره؟
وهل الديمقراطية السياسية هي فقط استجابةٌ لضرورة تطوّر الواقع السياسي لعالم ما بعد القرن العشرين، أم هي نزوعٌ موضوعيّ وإنسانيّ ومصدرُ قوّةٍ للفرد والمجتمع؟
وهل الديمقراطية هي غايةٌ في حدّ ذاتها وأطرٌ برلمانيةٌ فارغةٌ، تتغيّر فيها الوجوه وتتبدّل فيها الكراسي، أم هي وسيلةٌ لتحقيق رفاهية المجتمع وسيادته ووحدة أراضيه؟
وهل تنفصل معركةُ بناء الديمقراطية وترسيخها في التربة الوطنية عن معارك الدفاع عن الذات، سواءٌ أكانت في قادسية صدام المجيدة أو أمّ المعارك الخالدة؟
وأخيرًا، ماذا تعني الديمقراطية في ظلّ العنف السياسي وتفشّي الفقر والأمّية والنظرة الدونية للمرأة وتشظّي المجتمع إثنيًا وطائفيًا؟
يبدو، إذا أردنا أن نتناول قضية الديمقراطية في فكر البعث ومحاكمته بناءً على تجربته الثورية في العراق (1968 -2003)، أن ننطلق من الأسئلة التي سردناها سابقًا، ومحاولة الإجابة عليها بموضوعية، حتى نصل بالنتيجة إلى مفهوم الديمقراطية الشعبية التي ظلّ ينادي بها البعث، وقد عمل خلال تجربته الثورية في العراق على ترسيخ مبادئها.
تتمحور الديمقراطية في فلسفة البعث باعتبارها جزءًا من المرتكز الفكري للحرّية بمعناها الأرحب، والتي تشمل بجانب حرّية الأرض حرّيةَ الفرد الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، وخطوةً أوليةً لتحرّر الإرادة الشعبية، ووسيلةً أساسيةً لنهضة الأمة، مستلهمةً في ذلك تجاربها النضالية ضدّ الأنظمة الاستعمارية والاستبدادية، واستنادًا إلى الربط الجدلي بين مرتكزاته الفكرية المتمثّلة في الوحدة والحرّية والاشتراكية. فهنالك علاقةٌ تكامليةٌ بين الديمقراطية والاشتراكية التي تُحقّق العدالة الاجتماعية والمساواة، وتُخلّص الإنسان العربي من العوز المادي والمعنوي، والنظرة الدونية لذاته ولغيره.
ولتحقيق تلك المرتكزات، كان لا بدّ من بناء الحزب القائد الذي يقوم على مبدأ الممارسة الديمقراطية في داخله، فكانت الديمقراطية المركزية هي ذروة سنام التنظيم البعثي، التي حكمت العلاقة بين القيادة والقاعدة، كما شهدت مؤتمرات الحزب القطرية والقومية ممارساتٍ ديمقراطيةً قلّما توجد في تنظيمٍ حزبي، إيمانًا منه بأن بناء أي نظامٍ ديمقراطي يتطلّب قيادةً عادلةً تحظى بثقة الجماهير، وترفض الاستيراد الأعمى للمفاهيم.
وجاءت تجربة البعث في العراق ترجمةً عمليةً وانعكاسًا لتلك الأفكار والممارسات، فعملت منذ يومها الأول على إعادة صياغة الإنسان العربي الجديد، المؤمن بحرّية أرضه، المدافع عن سيادته وحقّه في الحياة، والمعتزّ بتراثه الخالد.
ومن أجل بناء دولةٍ قوميةٍ موحّدة، عمدت سلطة البعث في العراق إلى إعادة تشكيل الفرد بعيدًا عن الانتماءات العرقية والقبلية والطائفية، فلا تتحقّق الهوية القومية إلا في إطار وجود أعلى مستوى من تحقيق شعار المواطنة.
ومن خلال ترسيخ الاشتراكية والتحوّل الاشتراكي للمجتمع، وصل الشعب العراقي إلى حدّ الكفاية وحقّق المساواة بين أفراده.
كما شهدت تجارب الحكم في العراق تركيزًا على “ديمقراطية الممارسة” من خلال تكوين منظمات المجتمع المدني، والنقابات المهنية، والاتحادات الطلابية، التي وصلت فيها الشفافية والاستقلالية إلى أعلى درجات الممارسة الديمقراطية بشهادة الأعداء، فهنالك اختلافٌ كبيرٌ بين مفهومي الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
فممّا سبق ذكره، نستطيع أن نقول إن الديمقراطية في نظر البعث ليست آلياتٍ انتخابيةً شكليةً مجرّدة، بل هي مصدر قوّةٍ للفرد والمجتمع، معتبرًا الشعب مصدر السلطات، وتحرير الإرادة الشعبية لا يقتصر على تداول السلطة فحسب، بل هو أداةٌ لتحقيق التحرّر الوطني والاجتماعي، فهي ممارسةٌ قائمةٌ على مشاركة الجماهير، وتجسيد الإرادة الحقيقية للشعب بعيدًا عن الديمقراطية الليبرالية “الديمقراطيات الشكلية” الغربية.

Leave a Reply