بقلم: ماجد الغوث
إن قراءة مصائر الدول ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة لاستيعاب اللحظة الراهنة. فعندما نتأمل انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفكيك الدولة العراقية، ثم نأتي للواقع السوداني، نجد أنفسنا أمام ثلاثة سيناريوهات للسقوط تختلف في أدواتها، لكنها تلتقي في نتيجة واحدة: تآكل السيادة الوطنية وتحويل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ليست الدول كيانات تنهار فجأة، بل منظومات تتآكل عبر مسارات مختلفة: منها ما يسقط من داخله، ومنها ما يُهدم من خارجه، ومنها ما يُفخخ بحيث يسقط لاحقًا.
أولاً: انتحار السوفيت (السقوط من الداخل)
لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 نتيجة غزو عسكري، بل كان عملية “انتحار أيديولوجي”. سقط المارد السوفيتي لأنه تحول إلى هيكل متصلب عجز عن التنفس خارج شعارات “ديكتاتورية البروليتاريا”. وعندما حاول ميخائيل غورباتشوف إجراء جراحة إصلاحية (البرويسترويكا)، اكتشف أن النظام لا يعيش في ضوء الشفافية؛ فانتحرت الدولة أيديولوجياً قبل أن تسقط سياسياً، لتتحول من قطب دولي إلى دول تبحث عن هوياتها الضائعة.
ثانياً: هدم العراق (خنجر الأشقاء ومطرقة الغريب)
في العراق عام 2003، لم يمت النظام انتحاراً، بل تعرض لعملية “هدم ممنهج” استهدفت الدولة قبل النظام. الفاجعة هنا ليست في الغزو الخارجي فحسب، بل في التواطؤ العربي المخزي الذي وفر الغطاء السياسي واللوجستي والمادي لجنازير الدبابات لتصل إلى قلب بغداد.
لقد فُتحت بوابات العراق بـ “مفاتيح عربية” ارتضت أن تضحي بالأمن القومي العربي مقابل حسابات إقليمية ضيقة، مما مكن القوى الخارجية من حل الجيش وتفكيك المؤسسات. لقد استُبدلت “الدولة القوية” بنظام محاصصة طائفية صنعته المطرقة الغربية وباركه التواطؤ الإقليمي، ليظل العراق مثالاً موجعاً لكيفية ذبح الوطن بسكين الأشقاء قبل الأعداء.
ثالثاً: فخ التمكين في السودان (الرهان على السيادة)
بالوصول إلى السودان، نجد أننا أمام “فخ” لا يشبه السوفيت ولا العراق. فنظام البشير لم يكن عملاقاً أيديولوجياً انتحر، بل كان نظاماً زبائنياً اعتمد استراتيجية “التمكين” كدرع لحمايته.
لقد زرع النظام السابق ألغاماً في أحشاء الدولة عبر سياسة التمكين، واستبدل الكفاءات الوطنية بموالين حزبيين، والأخطر هو خلق “تعدد في مراكز القوة العسكرية” لحماية بقائه. هذا الفخ صُمم بعناية ليكون قنبلة موقوتة تنفجر بمجرد سقوط الرأس؛ بحيث لا يمكن للبديل الوطني إدارة الدولة دون الاصطدام بهياكل موازية وملغومة بالولاءات الضيقة، مما جعل السودان اليوم ساحة للصراعات الدولية التي تديرها محاور إقليمية تسعى لتكرار “سيناريو الهدم” تحت لافتات مضللة.
الخلاصة: الرهان الوطني
إن الرهان الحقيقي للسودانيين اليوم هو كيف يمكن تفكيك “فخ التمكين” دون السقوط في “هاوية الهدم” التي ابتلعت العراق. استعادة السودان تتطلب استقلالاً حقيقياً في القرار، وتحصين المؤسسة العسكرية من الاختراق الحزبي والارتهان الخارجي. إن التاريخ يثبت أن الدول تعيش بشرعيتها الوطنية، وتموت حين تتحول إلى “بروكسي” أو “إقطاعية” تدار من خارج حدودها. فالدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد القدرة على حماية ذاتها من الداخل والخارج معًا.

Leave a Reply