عادل أحمد محمد
فلسطين في أدبيات البعث العربي الاشتراكي هي جوهر الوجدان القومي والبوصلة الحقيقية التي لا تخطئ في تحدّيد معسكر الأصدقاء والأعداء. فالفكر البعثي لم ينظر يومًا للقضية الفلسطينية كنزاع جغرافي عابر، بل اعتبرها معركة وجودية كبرى بين أمّة تطمح للبعث والوحدة، وبين مشروع استيطاني صهيوني زرعه الاستعمار الغربي في قلب الأمّة ليضمن بقاءها ممزّقة وضعيفة وخاضعة للهيمنة الإمبريالية التي تقودها أمريكا اليوم بكل صلف وازدواجية معايير، تبيح سحق الفلسطينيين وتدمير بنيتهم التحتية بدم بارد.
إن الارتباط العضوي بين الصهيونية والإمبريالية العالمية يجعل من معركة تحرير فلسطين معركة ضد الهيمنة الغربية في كل العواصم العربية. فما يجري في غزّة والقدس لا ينفصل عما يجري من تآمر لتفتيت السودان وإشعال الفتن الداخلية فيه، لأن الهدف النهائي هو كسر إرادة الإنسان العربي وإشغاله بحروبه الجانبية عن قضيته المركزية. ومن هنا تبرز أهمية الوعي القومي الذي يربط بين الدفاع عن الخرطوم والدفاع عن القدس كجزء من معركة واحدة ضد وكلاء المشروع الغربي في المنطقة.
آمن البعث دائمًا بأن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد والحل الحتمي لاسترداد الحقوق المسلوبة، لأن لغة المنطق والقانون الدولي تسقط دائمًا أمام الفيتو الأمريكي والانحياز الغربي المطلق للكيان الصهيوني. أثبتت التجارب المريرة أن التنازلات السياسية واللهاث خلف سراب السلام لم يورث العرب إلا مزيدًا من الاستيطان والتمزّق والتبعية الاقتصادية والسياسية، التي ترهن مقدرات الشعوب بيد القوى الخارجية التي لا تحترم إلا لغة القوة والمصالح المشتركة المبنية على الندية، لا التبعية.
إن الوحدة العربية في فكر البعث ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة عسكرية واقتصادية لتحرير فلسطين. فالتجزئة التي فرضها الاستعمار عبر اتفاقيات سايكس بيكو هي التي ضيّعت الأرض، وهي التي تسمح اليوم بنهب ثروات الخليج واستنزاف موارد السودان، بينما يقف العرب متفرّقين أمام عدو موحّد ومدعوم بأحدث ترسانة سلاح وتكنولوجيا أمريكية. ولذلك فإن انبعاث الأمّة يبدأ من كسر هذه الحدود المصطنعة والعودة لمنطق الأمّة الواحدة ذات الرسالة الخالدة والقدر المشترك.
لقد سقطت الأقنعة الغربية تمامًا في امتحان القضية الفلسطينية، وظهرت الديمقراطية الأمريكية على حقيقتها كأداة للقمع والنهب، وليست منظومة للقيم والحرّيات كما يدّعون. وهذا السقوط الأخلاقي يحتّم على الشعوب العربية والقيادات الوطنية التوجّه نحو المعسكر الشرقي، حيث الصين وروسيا اللتان تتعاملان بمنطق السيادة والمصالح المتبادلة، دون التدخّل في شؤون الدول أو دعم المشاريع الاستيطانية التوسعية التي تستهدف اقتلاع الإنسان العربي من أرضه وتاريخه.
إن التحرّر الاجتماعي والعدالة الاقتصادية التي ينادي بها البعث هي الركيزة الأساسية للصمود الشعبي الطويل الأمد. فلا يمكن بناء جيش للتحرير وشعب للمقاومة وهو يرزح تحت وطأة الفقر والإقطاع والتبعية الاقتصادية للبنك الدولي. ومن هنا نجد أن الاشتراكية العربية هي أداة تمكين للإنسان العربي ليكون قادرًا على خوض معركة المصير القومي بكرامة واستقلال تام عن الهبات والمنح الغربية المشروطة بالتنازل عن الثوابت الوطنية والقومية.
تبرز أهمية قومية المعركة كاستراتيجية بعثية أصيلة، تعني أن كل قطر عربي هو جبهة متقدّمة للدفاع عن فلسطين. فالسودان بموارده وموقعه الاستراتيجي، والخليج بثرواته النفطية، كلها تشكّل العمق الاستراتيجي للمعركة الفاصلة. وأي محاولة لعزل أي قطر عربي عن هموم فلسطين هي محاولة لإضعاف ذلك القطر نفسه واستباحته أمام الأطماع الصهيونية والغربية التي لا تشبع من نهب خيراتنا وتفتيت أوطاننا.
معركة الوعي الثقافي والفكري تسبق دائمًا معركة الميدان، ولذلك شدّد البعث على ضرورة تعرية المخططات الصهيونية في المناهج والإعلام وكشف زيف الادعاءات الغربية حول السلام الموهوم. فالأمّة التي تفقد ذاكرتها التاريخية تضيع أرضها ومستقبلها، وهذا ما يتطلّب من النخب المثقّفة أن تظل حارسة للوعي القومي، ومتمسّكة بالحق التاريخي في كل شبر من تراب فلسطين من النهر إلى البحر دون أدنى تراجع أو مهادنة.
التاريخ يؤكّد أن التوافق بين المصالح الإمبريالية والصهيونية يستهدف تحطيم النماذج التنموية الناجحة في الوطن العربي. ولذلك نرى استهداف السودان وتدمير بنيته التحتية وتجويع شعبه كجزء من مخطط كبير لإبقاء العرب في حالة دفاع مستمر عن وجودهم اليومي بدل الهجوم لاسترداد حقوقهم القومية، مما يجعل من الوحدة والتلاحم الشعبي ضرورة ملحّة لمواجهة هذا الحلف الشيطاني الذي لا يريد للعرب قائمة ولا نهضة.
يبقى اليقين بأن الحتمية التاريخية تنحاز دائمًا للشعوب التي ترفض الانكسار، وأن المشروع الصهيوني مهما امتلك من أدوات القتل والدمار سيظل غريبًا عن هذه الأرض، وسيندحر أمام إرادة البعث العربي الذي يستمد قوّته من عمق التاريخ ومن عدالة القضية الفلسطينية، التي ستبقى المحرّك الأول لكل ثورة وطنية وكل نهضة حقيقية تطمح لاستعادة المجد العربي السليب وبناء دولة المؤسّسات والعدل والاشتراكية التي تضمن حقوق الكادحين، وتحمي بيضة الوطن من المتربصين.
إن القضية الفلسطينية ستبقى الرهان الذي يسقط عليه الخونة والأرزقيون، ويرتفع به الشرفاء والمتمسّكون بقيم العروبة. إنها المعركة التي لا تقبل القسمة على اثنين، فإما أمّة موحّدة قوية، أو ضياع وتشرذم تحت أقدام المستعمرين ووكلاء الهيمنة.

Leave a Reply