أمجد السيد
ليست القضية اليوم في السودان صراعًا بين خونة وشرفاء كما تحاول بعض الخطابات الرسمية تبسيطها وتسويقها للرأي العام بل هي معركة أعمق وأخطر معركة على شكل الدولة نفسها وعلى مستقبل وطن دفع شعبه ثمنًا باهظًا من الدم والدموع
إنها مواجهة واضحة بين مشروعين لا ثالث لهما
مشروع دولة مدنية ديمقراطية، خرجت من رحم ثورة عظيمة حملت تطلعات وآمال السودانيين في الحرية والسلام والعدالة، بعد ثلاثة عقود من القمع والتشريد والاستبداد
ومشروع سلطة عسكرية، يسعى لإعادة إنتاج ذات النظام الذي أسقطته الجماهير، عبر أدوات الانقلاب والقمع وإعادة تدوير ذات القوى التي لفظها الشارع.
القوى المدنية التي تُتهم اليوم زورًا وبهتانًا، هي نفسها التي وقفت منذ اللحظة الأولى ضد الح.رب، ورفضت عسكرة الدولة، ونادت بالتحول الديمقراطي الحقيقي. لم تحمل سلاحًا، ولم تكن طرفًا في صراع السلطة، لكنها كانت ولا تزال هدفًا لحملات التشويه والتخوين لأنها تمثل الخطر الحقيقي على مشاريع الهيمنة العسكرية أما الخطاب الذي يحاول إعادة تعريف العدو فهو في حقيقته محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن المسؤولين الحقيقيين عن إشعال الح.رب، وتحميل الضحية وزر الج.ريمة وهو خطاب لا يهدف إلى كشف الحقيقة، بل إلى تهيئة المسرح السياسي لعودة قوى قديمة بوجوه جديدة.
وفي هذا السياق، يبرز ما يُسمى بـالحوار السوداني المزمع عقده في مايو، كحلقة جديدة في مسلسل إعادة إنتاج الأزمة، لا حلها. فكيف يمكن لحوار يُفترض أن يؤسس لمستقبل ديمقراطي أن يُفتح الباب فيه أمام ذات القوى التي قادت البلاد إلى الانهيار؟ وكيف يمكن أن يكون حوارًا وطنيًا وهو يُدار بعقلية الإقصاء والتفصيل على مقاس السلطة؟
إن ما يجري ليس حوارًا بقدر ما هو محاولة لهندسة شرعية جديدة، تُمنح عبر منصة سياسية شكلية تُعيد تمكين من ثار عليهم الشعب، وتمنح غطاءً مدنيًا لسلطة لا تؤمن أصلاً بالمدنية
الشعب السوداني الذي خرج في ثورة ديسمبر، لم يكن يطالب بتغيير وجوه، بل بتغيير قواعد اللعبة كلها. لم يكن يطلب تسوية مع الاستبداد، بل قطيعة معه. ولذلك فإن أي محاولة للالتفاف على هذه الإرادة، عبر صفقات سياسية أو حوارات مفروضة، لن تنتج إلا مزيدًا من الأزمات.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على من يملك الخطاب الأعلى صوتًا بل على من يملك الحق
والحق واضح لا عودة للاستبداد، لا شرعية للانقلاب، ولا مكان لمن أفسدوا الحياة السياسية لعقود
إنها معركة على روح السودان
إما أن تنتصر فيها إرادة الشعب
أو يُعاد تدوير المأساة بثوب جديد.

Leave a Reply