طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست الذكرى استدعاءً لزمنٍ مضى، ولا احتفاءً بحدثٍ تاريخي انقضى، بل هي لحظة مواجهة مع الذات، تتكثّف فيها الأسئلة، وتُختبر فيها المسافة بين الفكرة وتجسدها في الواقع. وفي السابع من أبريل 1947، لم يولد تنظيم سياسي فحسب، بل انبثق سؤالٌ تاريخي عميق، كيف يمكن لأمّة ممزقة، خارجة من رحم الاستعمار، أن تستعيد وحدتها، وتحقّق حريتها، وتبني عدالتها؟ وتأتي هذه الذكرى التاسعة والسبعون اليوم، لا بوصفها استعادةً للميلاد، بل تأكيدًا لاستمرارية الفكرة، وتجدّدها في مواجهة تحدّيات الحاضر، وإصرارها على أن تبقى مشروع أمّة لا ذكرى حزب. وفي هذا السياق، تكتسب هذه الذكرى دلالة خاصة، وهي تتزامن مع تجدّد البنية القيادية للحزب بانعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م، بما يعكس أن البعث لم يكن لحظة تأسيس عابرة، بل مسارًا مستمرًا يعيد إنتاج ذاته عبر الأجيال. اليوم، بعد تسعة وسبعين عامًا، لا تعود الذكرى لتقدم إجابات جاهزة، بل لتعيد طرح السؤال، بصوتٍ أكثر عمقًا، وتجربةٍ أكثر تعقيدًا.
لقد أراد الأستاذ ميشيل عفلق أن يكون البعث أكثر من حزب، أن يكون فعلًا نهضويًا يعيد تشكيل الإنسان العربي، ويحرّره من التبعية، ويمنحه القدرة على أن يكون فاعلًا في التاريخ لا موضوعًا له. غير أن الأفكار، حين تدخل التاريخ، لا تبقى نقية كما وُلدت، بل تُختبر، وتتعرّض للانحراف كما تتحقّق جزئيًا، وهنا تحدّيدًا تتكلم الذكرى.
فماذا يقول البعث لأبنائه اليوم؟:
يقول لهم: إن فلسطين ليست قضية من بين قضايا، بل هي البوصلة التي يُقاس بها صدق الانتماء القومي. فحيث تختل العلاقة بها، تختل العلاقة بالأمّة ذاتها. وإن تحرير الأرض العربية المحتلة ليس شعارًا، بل فعلٌ يعيد تعريف السيادة، ويضع الأمّة في موقع الفعل. ومن دون هذا الوعي، تتحوّل السياسة إلى إدارة للهزيمة، لا مشروعًا لتجاوزها. ففلسطين ليست فقط معيارًا أخلاقيًا، بل هي اختبار عملي لقدرة المشروع القومي على التحوّل من خطاب إلى فعل.
ويقول لهم: إن معركة التحرير لا تُخاض على الجبهات فقط، بل في عمق المجتمع والوعي. فكل تراجع في الداخل هو إضعاف لجبهة المواجهة، وكل تقدم في بناء الإنسان هو خطوة نحو استعادة الأرض.
ويقول لهم: إن الشباب ليسوا احتياطًا بشريًا، بل هم مادة المشروع القومي وروحه المتجدّدة. فلا نهضة بلا أجيال تعيد إنتاج الفكرة بلغة عصرها، ولا حزب يبقى إن لم يفتح أبوابه للمبادرة، والمشاركة، والقيادة الحقيقية.
ويقول لهم: إن معركة العصر لم تعد تُخاض فقط في الجغرافيا، بل في الفضاء الرقمي والمعرفي. فالتكنولوجيا ليست أداة محايدة، بل ساحة صراع، ومن لا يمتلكها، يُعاد تشكيل وعيه من خلالها.
ويقول لهم: إن المرأة ليست قضية اجتماعية هامشية، بل شريكٌ أصيل في بناء الأمّة. فالمجتمع الذي يُقصي نصفه، يُعطل نصف طاقته. وإن تحرّرها، في السياق القومي، هو تحرّر المجتمع كله من أشكال التخلف، واستعادة لدورها كفاعلة في الوعي والإنتاج والقرار.
ويقول لهم: إن المنهج العلمي ليس خيارًا، بل ضرورة. فلا مشروع بلا عقل منظم، ولا نهضة بلا تخطيط، ولا سيادة بلا قدرة على توظيف الإمكانيات توظيفًا عقلانيًا يخدم الغاية القومية. إن العاطفة، مهما بلغت، لا تتحوّل إلى قوة إلا حين تُبنى على معرفة، وتُترجم إلى مؤسّسات.
ويقول لهم: إن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا تاريخيًا، بل شرط استقرار أي مجتمع. فالفجوة المتزايدة بين الفئات، وتراجع دور الدولة، واتساع التبعية الاقتصادية، تعيد طرح سؤال الاشتراكية من جديد، لا كأيديولوجيا جامدة، بل كحاجة لحماية الإنسان من التهميش، وضمان كرامته في وطنه.
ويقول لهم: إن رفع مستوى الوعي هو جوهر الصراع. فالأمّة التي لا تدرك موقعها، يُعاد تشكيلها من الخارج. وإن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في الميدان، بل تلك التي تستقر في الوعي، فتجعل التبعية قدرًا، والعجز خيارًا.
ويقول لهم: احفظوا الهوية العربية، لا بوصفها تراثًا ساكنًا، بل كقوة حيّة تحتاج إلى حماية وتجديد. ففي زمن التفكّك والتشظّي، يصبح الحفاظ على تماسك المجتمع العربي فعلًا نضاليًا بحد ذاته.
ويقول لهم: إن العمل القومي لا يُبنى بالتنظيمات المنعزلة، بل بتأسيس كتلة تاريخية واسعة، تتجسّد في جبهات شعبية عريضة للحرّية والتغيير، توحّد الطاقات، وتحوّل التعدّد إلى قوة، والانقسام إلى إمكانية.
ويقول لهم: إن النضال القومي ليس انغلاقًا، بل امتداد إنساني. فالقضية العادلة تتقاطع مع نضالات الشعوب الأخرى، والحرّية لا تتجزأ. إن الانتماء القومي الحقيقي يكتمل بانفتاحه على الإنسان حيثما كان مظلومًا.
ويقول لهم: إن مواجهة الاستعمار، بأشكاله الإمبريالية والصهيونية ومشاريعه التوسعية، ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. فالهيمنة لا تواجه بردود الأفعال، بل ببناء مشروع مضاد، يمتلك الرؤية والإرادة والقدرة.
ثم يقول لهم: احفظوا نقاء البدايات. فالأحزاب لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد أخلاقها الأولى. إن قوة الفكرة لم تكن في نصوصها، بل في صدق الذين حملوها، وفي قدرتهم على تحويل الالتزام إلى سلوك يومي.
ويقول لهم: تذكّروا أن الشهداء ليسوا ذكرى، بل معيار، فكل انحراف عن القيم التي استشهدوا من أجلها، هو خيانة صامتة. وإن دمهم لا يُستعاد بالبكاء، بل بالاستمرار على الطريق.
ويقول لهم: لا تحوّلوا الحزب إلى مهنة، فالانتماء ليس وسيلة للمنفعة، بل التزام وجودي. ومن دخل إليه بحثًا عن موقع، غادره حين يفقده، أما من دخله بوصفه قضية، فإنه يبقى حيث تبقى الفكرة.
ويقول لهم: احملوا رسالة الأمّة العربية، لا كشعار، بل كمسؤولية تاريخية، فخلود الأمّة لا يتحقّق بالقول، بل بقدرتها على الإنتاج، والإبداع، والتأثير في مسار العالم.
ويقول لهم: لا تجعلوا الفكر يقينًا مغلقًا، فالذي لا يتجدّد، يذبل. والوفاء للفكرة لا يكون بتجميدها، بل بإعادة إنتاجها في شروط جديدة.
ويقول لهم: اجعلوا التنظيم أداةً لا غاية، فحين ينشغل التنظيم بذاته، يفقد علاقته بالمجتمع، ويتحوّل إلى كيان معزول.
ويقول لهم: احذروا التآكل الداخلي، فليست كل الهزائم من الخارج، هناك هزائم تنشأ من التراخي، ومن تبرير الأخطاء، ومن الاعتياد على الواقع.
ويقول لهم: أعيدوا الاعتبار للعمل اليومي البسيط، فالمشاريع الكبرى تُبنى بالتراكم، لا بالشعارات، وبالعمل الصامت أكثر مما تُبنى بالخطابات.
ويقول لهم: لا تعيشوا على أمجاد الماضي، فالماضي مصدر إلهام، لا مكان إقامة. ومن صنعوا تلك التجربة، لم يكونوا أسرى لما قبلهم، بل صانعي مستقبلهم.
ويقول لهم: تذكّروا أن المعركة على الإنسان قبل الأرض، فلا تحرير بلا إنسان حر، واعٍ، منظم.
إن الذكرى، حين تتكلم، لا تمنحنا راحة اليقين، بل قلق السؤال. وهي، في ذلك، أكثر وفاءً من أي احتفال. فالمشاريع الكبرى لا تعيش بما تحقّق منها، بل بما تظل قادرة على طرحه من أسئلة.
بعد تسعة وسبعين عامًا، قد لا يكون السؤال: ماذا أنجز البعث؟ بل: هل ما تزال الحاجة إليه قائمة؟ والجواب نعم، كما توحي به أزمات الواقع العربي، فإن التحدّي لم يعد في الدفاع عن الماضي، بل في القدرة على إنتاج مستقبلٍ يليق بالفكرة التي وُلدت في السابع من أبريل، لا كذكرى، بل كبداية لم تكتمل بعد. فالذكرى لا تسألنا ماذا كان البعث، بل ماذا سنفعل به اليوم.

Leave a Reply