في ذكرى التأسيس.. حزب البعث بين إرث النضال واستحقاقات اللحظة السودانية

صحيفة الهدف

أمجد أحمد السيد
تمرّ ذكرى تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي هذا العام، والسودان يرزح تحت وطأة حربٍ مدمّرة تهدّد وجود الدولة، وتفتك بنسيجه الاجتماعي، وتضع القوى السياسية أمام اختبارٍ تاريخيٍ حاسم: إمّا الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، أو ترك البلاد تنزلق نحو مزيدٍ من التشظّي والانهيار.
ليست هذه الذكرى مناسبةً احتفالية عابرة، بل محطّة للتأمّل العميق في مسيرة حزبٍ ظلّ، منذ نشأته، منحازًا لقضايا الحرّية والوحدة والعدالة، ومتمسّكًا بدوره كحاملٍ لمشروعٍ نهضوي عربي، تجلّت تجاربه في أكثر من ساحة، وكان للسودان فيها نصيبٌ معتبر من النضال والتضحيات.
البعث في السودان: تاريخ من المقاومة والانحياز للشعب
على امتداد عقود، ارتبط حضور حزب البعث في السودان بالمواقف الصلبة في مواجهة الشمولية، والدفاع عن الديمقراطية، والانخراط في قضايا الجماهير. لم يكن الحزب يومًا كيانًا هامشيًا، بل كان جزءًا من الحركة السياسية والفكرية التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني، خاصة في محطات الانتفاضات الشعبية والعمل النقابي والطلابي.
وقد دفع البعثيون أثمانًا باهظة نتيجة هذا الانحياز، من الاعتقال والملاحقة إلى الإقصاء، دون أن يتخلّوا عن خطّهم الداعي إلى بناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والعدالة الاجتماعية.
ومع اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، كان الحزب في قلب الحراك الشعبي، وأسهم في الدفع نحو الانتقال المدني، قبل أن يتعرّض هذا المسار لانتكاسةٍ حادّة عقب انقلاب 25 أكتوبر، وما أعقبه من انهيارٍ شامل قاد إلى الحرب الحالية.
يشكّل المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي محطةً مفصلية في مسار الحزب، إذ جاء في سياق تحوّلاتٍ عميقة تشهدها المنطقة العربية، وأزماتٍ بنيوية تضرب بنية الدولة الوطنية، فضلًا عن تحدّيات العولمة والتدخلات الخارجية.
وقد طرح المؤتمر جملةً من الموجّهات التي تكتسب أهميةً خاصة في الحالة السودانية، من أبرزها:
– تجديد الخطاب السياسي والفكري بما يتلاءم مع تحوّلات الواقع.
– تعزيز الديمقراطية الداخلية وتوسيع المشاركة.
– الانحياز الواضح لقضايا الشعوب وحقوقها في الحرّية والكرامة.
– بناء تحالفات وطنية عريضة على أساس البرامج لا الشعارات.
هذه المرتكزات تضع فروع الحزب، ومنها قيادة قطر السودان، أمام مسؤولية تحويل هذه المقرّرات إلى سياساتٍ عملية تستجيب لتعقيدات الواقع المحلي.
رؤية الحزب لإيقاف الحرب
في ضوء هذه التحدّيات، تبرز رؤية حزب البعث في السودان لإيقاف الحرب بوصفها محاولة لربط الفكر بالممارسة، والشعار بالفعل السياسي. وتنطلق هذه الرؤية من عدة محدّدات أساسية:
أولًا، أولوية وقف الحرب فورًا باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدّد وحدة البلاد وبقاءها، مع ضرورة فتح الممرّات الإنسانية ومعالجة الكارثة التي يعيشها المواطنون.
ثانيًا، إعادة بناء العملية السياسية على أسسٍ وطنية تضمن استقلال القرار السوداني، مع الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي دون الوقوع في فخ الوصاية.
ثالثًا، استعادة المسار المدني الديمقراطي عبر سلطة انتقالية محدّدة المهام والزمن، تقود إلى انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهة.
رابعًا، إصلاح المؤسّسة العسكرية والأمنية بما يضمن مهنيتها وابتعادها عن السياسة، وهي مسألةٌ مركزية في أي تحوّل ديمقراطي مستدام.
خامسًا، إطلاق مسارٍ للعدالة الانتقالية يعالج الانتهاكات ويضع حدّاً لثقافة الإفلات من العقاب.
استحقاقات اللحظة الراهنة
إذا كان تاريخ حزب البعث في السودان قد كُتب بمداد النضال، فإن الحاضر يفرض عليه مهام أكثر تعقيدًا، لا يكفي فيها استدعاء الإرث، بل يتطلب الأمر:
– تطوير أدوات العمل السياسي بما يتناسب مع واقع ما بعد الحرب.
– الإسهام الفاعل في توحيد القوى المدنية وإنهاء حالة التشتّت.
– تقديم نماذج عملية في الخطاب والممارسة تعزّز الثقة مع الجماهير.
– الانفتاح على الأجيال الجديدة وإشراكها في صناعة القرار.
فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى قوى تحمل برامج، بل إلى قوى قادرة على تحويل هذه البرامج إلى واقعٍ سياسي ملموس.

في ذكرى التأسيس، يقف حزب البعث العربي الاشتراكي أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في السودان، لحظةٍ تتقاطع فيها الذاكرة بالنضال، والرؤية بالتحدّيات، والطموح بإكراهات الواقع.
إن قيمة هذه الذكرى لا تكمن في استعادة الماضي، بل في القدرة على إعادة توظيفه لبناء المستقبل؛ مستقبلٍ يخرج فيه السودان من أتون الحرب إلى رحاب السلام، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، ومن التمزّق إلى الوحدة الوطنية.
وحدها الإرادة السياسية الصادقة، والعمل المشترك، والالتزام بقضايا الناس، هي ما سيحدّد إن كان هذا الحلم ممكنًا أم مؤجّلًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.