المرأة في الفكر القومي العربي: رحلة عضوية من النهضة إلى مشروع البعث

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

عندما نتحدّث عن المرأة في الفكر القومي، فإننا لا نتحدّث عن قضيةٍ مستعارةٍ أو هامشية، بل عن جوهر الرؤية النهضوية ذاتها. فمنذ انطلاق مشروع النهضة العربية في القرن التاسع عشر، كانت قضية المرأة المقياس الحقيقي لمدى جدّية المشروع القومي. فلم يكن تحرير المرأة رفاهيةً ثقافيةً أو استجابةً لضغوطٍ خارجية، بل كان شرطًا داخليًا لقيام أي مجتمعٍ ثوريٍّ قادرٍ على التحرّر من الاستعمار والتخلّف والانقسام والتبعية.
هذه الرؤية التي بدأت مع رواد النهضة، مثل الطهطاوي وقاسم أمين وبابكر بدري، تبلورت وتعمّقت مع تطور الفكر القومي، لتصل إلى ذروتها في لحظة تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي. ففي السابع من نيسان/ إبريل، ومع احتفالنا بذكرى ميلاد الحزب، نستذكر كيف تحوّلت قضية المرأة من مجرد مطلبٍ إصلاحي إلى ركنٍ أساسي في عقيدةٍ قوميةٍ شاملة.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع بداية الوعي بضرورة اللحاق بركب الحضارة الحديثة، أدرك رواد النهضة القومية أن أيّ نهضة لا يمكن أن تقوم على شطرٍ من المجتمع يعيش في التخلّف، بينما يتقدّم الشطر الآخر. رأى رفاعة الطهطاوي أن تعليم المرأة وتثقيفها ليس ترفًا، بل واجبٌ وطني، لأنها تربّي الأجيال. وجاء قاسم أمين ليؤكّد أن تحرير المرأة هو أحد أوجه الحرّية، كما نادى بابكر بدري بضرورة تعليم المرأة، بوصفه أحد رواد التعليم في السودان.
لقد أدرك حزب البعث، منذ تأسيسه، أن حالة التردّي التي تعيشها المرأة ليست بفعل الدين أو الجوهر العربي، بل نتيجة تراكماتٍ اجتماعيةٍ وتخلّفٍ استعماري. لذلك أخذت قضية المرأة موقعها، باعتبار أن انتصار المرأة في معركتها يحدّد مدى قدرة الأمّة على التجدّد والبعث. ومن هنا انطلق الفكر القومي، في تطوّره، حاملًا معه قضية المرأة كجزءٍ عضوي من مشروع التحرّر الوطني والقومي.
لقد كان تبنّي قضية المرأة متفاوتًا بين الأحزاب والحركات القومية؛ حيث نظر إليها البعض من منطلقاتٍ ثانوية، فيما ربطها آخرون بتحقيق الاستقلال أولًا. غير أن تيارًا قوميًّا واحدًا ذهب إلى أبعد مدى في جعل قضية المرأة عضويةً في مشروعه، وهو التيار الذي تبلور عنه حزب البعث العربي الاشتراكي.
جعل حزب البعث المرأة حاضرةً في صميم رؤيته؛ إذ رأى أن الأمّة لن تُبعث ما لم تُبعث معها المرأة، وأن القيود التي تُفرض عليها هي جزءٌ من القيود التي تُفرض على الأمّة. وربط الحزب بين استغلال المرأة في المجتمعات التقليدية وبين التخلّف والانقسام والهيمنة الخارجية.
وقد وردت نصوصٌ في دستور الحزب تدعم مساواة المرأة بالرجل في جميع الحقوق السياسية والاجتماعية، كما عمل الحزب على تأكيد حق المرأة في العمل والتعليم، والمشاركة في مختلف مجالات الحياة. ثم سعى إلى كسبها واستقطابها، وجعلها جزءًا من بنيته الحزبية، عبر دمجها في صفوفه وفي مواقعه القيادية.
ورأى حزب البعث أن المجتمع الموحّد لا يمكن أن يقوم على تمييزٍ ضد المرأة، وأن المرأة الحرّة هي التي تُنجب أحرارًا قادرين على حمل مشروع الوحدة والحرّية. كما اعتبر أن نضال المرأة ضد الهيمنة وقيود الاستعمار هو، في جوهره، نضالٌ ضد القيود الاجتماعية التي تعيق إنسانيتها.
واعتبر الحزب أن الأنظمة التقليدية والطبقية هي التي تُنتج قهر المرأة، وأن التحوّل الاشتراكي هو الكفيل بخلق الظروف الموضوعية لتحرّرها الحقيقي، وذلك عبر التعليم والعمل والضمان الاجتماعي.
هذا التداخل العريض، والمعرفة الدقيقة بإشكاليات المرأة، جعلا فكر البعث يتبنى قضاياها كجزءٍ من عقيدته، لا كمجرد بندٍ انتخابي عابر.
وقد شهدت بعض الأقطار، كالعراق، تحوّلاتٍ ملموسةً في وضع المرأة، حيث وُضعت قوانين تمنحها حقوقًا سياسيةً واجتماعية، كما أُلزمت الأسر بتعليم بناتها، مع فتح فرصٍ واسعة في مجالات العمل ومؤسّسات الحزب المختلفة. وقد أدّت هذه التوجهات إلى مكاسب أسهمت في إحداث تحوّلاتٍ اجتماعيةٍ رافقت المشروع القومي.
واليوم، ومع تعقيدات المشهد القومي، تبرز الحاجة إلى تجديد هذه الرؤية، على هدي الفكر القومي التأسيسي، مع استصحاب متغيرات العصر، واستخدام أدواتٍ تتناسب مع مستلزماته، كما ورد في مقررات المؤتمر القومي الثالث عشر.
وعندما نربط بين المرأة وميلاد البعث، فإننا لا نقوم بعملية ربطٍ مفتعل بين حدثين منفصلين، بل نستعيد مسيرةً بدأت منذ تأسيس الحزب. فالأمّة لا تُبنى بنصفها، ومشروع البعث النضالي، الذي شاركت في كفاحه جموع نساء الأمّة، جعل المرأة جزءًا من عقيدته الوحدوية والتحرّرية والاشتراكية.
وسنظل نستذكر أن الحزب الذي انطلق من رحم النهضة العربية كان واعيًا منذ البداية بأن بعث الأمّة لا يتحقّق دون بعث المرأة. وأن هذا الوعي، الذي كان في عصره تقدّميًا وجريئًا، يظل اليوم نبراسًا لكل من يسعى إلى تجديد المشروع القومي العربي على أسسٍ سليمة، تعيد قضية المرأة إلى موقعها الطبيعي: في صميم المعركة، لا على هامشها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.