الفنّان كصانعٍ للرّوح والسياسي كصانعٍ للتاريخ.. قراءة في البعد الثقافي لفكر حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في ذكراه الـ(79)

صحيفة الهدف

أمجد السيّد
في السابع من أبريل تحلّ الذكرى التاسعة والسبعون لتأسيس حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، وهي ليست مجرّد مناسبة لاستعادة التاريخ، بل لحظة تأمّل في مشروعٍ حاول أن يعيد تعريف العلاقة بين الأمّة وثقافتها، بين الوعي والفعل، وبين الكلمة ودورها في صناعة المصير.
في لحظات الانكسار الكبرى، حين تتراجع السياسة إلى حدود العجز، تتقدّم الثقافة لتقوم بدورها الأعمق: إعادة تشكيل الوعي، وصياغة الروح، وبناء المعنى. ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة تجربة حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ بوصفها مجرّد تجربة سياسيّة، بل باعتبارها مشروعًا حضاريًّا حاول أن يربط بين الفكر والممارسة، بين الكلمة والفعل، وبين الثقافة بوصفها روح الأمّة، والسياسة بوصفها أداتها في التاريخ.
منذ البدايات، لم يتعامل البعث مع الثقافة كترفٍ نخبويّ، بل كجزءٍ أصيل من معركة التحرّر والوحدة، وامتدادًا لشعاره المركزيّ: وحدة، حرّية، اشتراكيّة. فقد رأى القائد المؤسّس ميشيل عفلق أنّ العروبة ليست مجرّد انتماء جغرافيّ أو لغويّ، بل رسالة حضاريّة تتجسّد في الإبداع الإنسانيّ. وفي هذا السياق، يقول: “ليست العروبة كلمة تُقال، بل قدرٌ يُعاش، ورسالةٌ تُحمل”.
هذه العبارة تختصر فلسفةً كاملة؛ فالثقافة هنا ليست انعكاسًا سلبيًّا للواقع، بل أداة فاعلة لتغييره. الأدب والفنّ ليسا زينةً على هامش الحياة، بل هما في صلب الصراع من أجل الحرّية والكرامة. لقد أدرك البعث أنّ الأمّة التي تفقد لغتها الإبداعيّة، تفقد قدرتها على الحلم، وأنّ الحلم هو الشرط الأوّل لأيّ نهضة.
لم يكن الشاعر، في هذا التصوّر، معزولًا في برجٍ عاجيّ، بل كان جزءًا من مشروعٍ تحرّريّ شامل. ولذلك برزت أسماء مثل سليمان العيسى، الذي جسّد في شعره روح الأمّة الباحثة عن وحدتها وكرامتها. لقد كان الشعر القوميّ في تلك المرحلة محاولةً لإعادة تعريف الهويّة العربيّة في مواجهة الاستعمار والتجزئة؛ كانت القصيدة ساحةً للمعركة، تمامًا كما كانت الجبهة، وكان الشاعر صوتًا جمعيًّا يعبّر عن آمال الأمّة وآلامها.
في هذا السياق، تبرز مقولة صدام حسين الشهيرة: “الفنّان كالسياسيّ، كلاهما يصنع الحياة بصيغٍ متقدّمة”.
هذه المقولة تكشف عن وعيٍ عميق بوحدة الدور بين الفنّ والسياسة؛ فالفنّان لا يقلّ تأثيرًا عن السياسيّ، بل قد يتجاوزه، لأنّه يخاطب الوجدان لا المصالح، ويصنع الوعي لا القرار فقط.
ولم يقتصر هذا الوعي على التنظير، بل تجسّد في الاهتمام بمختلف أشكال التعبير الثقافيّ، من المسرح والسينما إلى الأغنية الوطنيّة والفنون التشكيليّة، بوصفها أدواتٍ لبناء إنسانٍ عربيّ جديد، يؤمن بوحدته، ويعي دوره في التغيير، ويستبطن رسالته الحضاريّة.
وإذا كان هذا التصوّر قد تشكّل في سياقٍ عربيّ عامّ، فإنّ إسقاطه على واقعنا الراهن، كما في السودان، يكشف عن حاجةٍ ملحّة لاستعادة هذا البعد الثقافيّ. فالأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست سياسيّة فحسب، بل هي أيضًا أزمة وعيٍ وهويّةٍ وانتماء. إنّ استلهام البعد الثقافيّ في فكر البعث لا يعني استنساخ التجربة، بل إعادة طرح الأسئلة الكبرى: كيف نبني ثقافةً وطنيّةً جامعة في ظلّ التعدّد؟ كيف نجعل الفنّ أداةً للسلام لا وقودًا للصراع؟ كيف نستعيد دور المثقّف كضميرٍ للأمّة، لا كصدىً للسلطة؟
في الذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، قد يكون الأهمّ من استدعاء الشعارات، هو استعادة الروح التي أنتجتها؛ روح تؤمن بأنّ الأمّة تُبنى بالثقافة كما تُبنى بالسياسة، وأنّ الكلمة قد تسبق الرصاصة، وأنّ الفنّ يمكن أن يكون طريقًا إلى الحرّية.
لقد أراد القائد المؤسّس ميشيل عفلق أمّةً تحمل رسالة، وأراد القائد صدام حسين فنًّا يصنع الحياة، وبين الحُلمين تقف الحقيقة: أنّ هذه الذكرى ليست محطةً للحنين، بل دعوة مفتوحة لاستئناف المشروع، على أسسٍ أكثر وعيًا، وأكثر انحيازًا للحرّية، وأكثر وفاءً للإنسان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.