محمد الأمين أبو زيد
تمهيد
ظهر البعث كحركةٍ فكريّةٍ سياسيّةٍ في أربعينيّات القرن الماضي، وبالتحديد في المؤتمر التأسيسيّ في (7/4/1947). ولكن من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ الوطن العربيّ شهد نشوء مجموعةٍ من الحركات والتيّارات التي مهّدت لظهوره فكريًّا وسياسيًّا، ويمكن إجمالها بإيجاز في:
أوّلًا: التيّار الإصلاحيّ العربيّ في أواخر العهد العثمانيّ، وكان ينادي بالإصلاح داخل الدولة العثمانيّة، ومنح العرب حقوقًا أكبر، والتحرّر من الاستبداد، وإحياء الهويّة العربيّة، وربط النهضة بالإسلام. ومن أبرز رموزه: عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا.
ثانيًا: الجمعيّات العربيّة السرّيّة، ظهرت في بدايات القرن العشرين بين المثقّفين والضبّاط العرب، ودعت إلى الاستقلال واللامركزيّة. ومن أهمّها: جمعيّة العربيّة الفتاة وجمعيّة العهد.
ثالثًا: الثورة العربيّة الكبرى (1916)، التي قادها الشريف حسين بن علي ضدّ الدولة العثمانيّة، وهدفت إلى إنشاء دولة عربيّة موحّدة مستقلّة. وقد ساهمت في تعميق الشعور القوميّ، رغم نتائجها المعقّدة بسبب الاتّفاقيّات والضغط الاستعماريّ (اتّفاقيّة سايكس-بيكو).
رابعًا: بعد الحرب العالميّة الأولى، خضعت معظم البلاد العربيّة للاستعمار الغربيّ الأوروبيّ، وظهرت حركات وأحزاب وطنيّة مبكّرة، مثل الحركة الوطنيّة في سوريا والعراق ضدّ الانتداب، والكتلة الوطنيّة السوريّة، ومؤتمر الخريجين في السودان، وحزب الاستقلال العربيّ.
خامسًا: التيّار الفكريّ القوميّ في الثلاثينيّات، ومن أبرز مفكّريه ساطع الحصريّ وزكي الأرسوزيّ، وقد ركّز هذا التيّار على اللغة والتاريخ كأساسٍ للأمّة.
الحركات التي سبقت البعث عديدة، ولم تكن تنظيمًا واحدًا، بل مجموعة تيّارات اتّسمت بالإصلاحيّة، وقد ساهمت جميعها في تهيئة البيئة الفكريّة والسياسيّة لظهور البعث، الذي بلور هذه الأفكار في مشروعٍ قوميٍّ عربيٍّ شامل، اتّسم بالثوريّة والنظرة الحضاريّة للأمّة، وبالأداة التنظيميّة المنسجمة مع الفكرة وغاياتها (التنظيم القوميّ)، وبالمنهج العلميّ الجدليّ التاريخيّ الحضاريّ كأداةٍ في تحليل واقع الأمّة وتاريخها، وبالنظريّة القوميّة كفكرةٍ متجدّدة بعيدة عن صيغ الجمود، وفق ما تشير إليه المؤتمرات القوميّة التي عملت على تطوير المشروع القوميّ عبر المراحل والتحدّيات القوميّة.
البعث والفكرة القوميّة
يُعدّ موضوع البعث والفكرة القوميّة بين النصّ والتجربة من أهمّ الإشكالات الفكريّة والسياسيّة، لأنّه يكشف الفجوة بين التنظير المثاليّ والتطبيق العمليّ.
تأسّس حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ على يد مؤسّسين، أبرزهم ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وارتكز في فكرته على النظريّة القوميّة في الوحدة والحرّية والاشتراكيّة، كعلاجٍ لأمراض الواقع العربيّ المتمثّلة في ثلاثيّ: التجزئة القوميّة، والتخلّف الاجتماعيّ والحضاريّ، والتبعيّة.
الوحدة: توحيد الأمّة العربيّة في دولةٍ واحدة.
الحرّية: التحرّر من الاستعمار والهيمنة الأجنبيّة، والحرّية الداخليّة المبنيّة على الديمقراطيّة أداةً للحكم.
الاشتراكيّة: تحقيق العدالة الاجتماعيّة، وتوزيع الثروة، ومنع الاستغلال القوميّ والطبقيّ.
حظيت هذه المرتكزات بتصوّراتٍ عامّة في كتابات القائد المؤسّس ميشيل عفلق، المجموعة في كتاب (في سبيل البعث)، ومن مفكّرين آخرين في مسيرة البعث، أبرزهم د. منيف الرزاز، وشبلي العيسمي، ود. إلياس فرح، وعديدون يصعب حصرهم في هذا المقال.
ركّزت الكتابات الأولى على ربط الفكرة القوميّة بالنهضة الحضاريّة ورسالة الأمّة، والتأكيد على دور الحزب الطليعيّ في قيادة الجماهير.
تعرّضت الفكرة القوميّة في نسختها الحديثة إلى تحدّياتٍ عظيمة عند انتقالها إلى الواقع العمليّ، خاصّة في دولٍ مثل سوريا والعراق، ومن أهمّها فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (1958 – 1961).
وكذلك تحدّيات ما بعد الانفصال في سوريا، حيث تعرّضت تجربة الحزب في الحكم لردّة (23 شباط/ فبراير 1966)، التي اختطفت الحزب بواسطة زمرةٍ عسكريّة، شوّهت تجربته، وحاكمت رموزه، وظلّت تحكم باسمه زورًا وبهتانًا حتى سقوطها.
وبالمثل، تعرّض الحزب في العراق لتشوّهات من خلال الردّة العارفيّة وسقوط ثورة آذار (1963)، إلى أن استعاد صعوده في ثورة تمّوز (1968)، التي استطاعت إحداث تحوّلاتٍ كبرى لصالح الفكرة، رغم التحدّيات التي ارتبطت بتجربتها واستمراريّتها، لا سيّما في مجال التداول السلميّ للسلطة والحريّات وغيرها.
انعكس هذا على الطموح الوحدويّ النهضويّ الذي يحمل أبعادًا تحرّريّة، وبين الواقع المعاش الذي يمثّل فجوةً كبيرة بين الفكرة والممارسة.
البعث لم يكن استثناءً؛ فكثير من الأيديولوجيّات واجهت تحدّيات عند التطبيق. فالمشكلة عند البعث ليست نتيجة خللٍ فكريّ، وإنّما مرتبطة بالبنية السياسيّة العربيّة وغياب المؤسّسات الديمقراطيّة.
وثمّة عاملٌ مهمّ آخر، أنّ البعث نشأ في ظلّ التحدّي الاستعماريّ للأمّة، وأدواته الداخليّة المهيمنة، ولم تسلم مسيرته وتجربته من ذلك، وظلّت في حالةٍ من التحدّي والاستجابة للمخطّط الإمبرياليّ الصهيونيّ، وتناغمه مع المشروع الفارسيّ الصفويّ الشعوبيّ، الذي أدّى إلى إسقاط تجربته باحتلال العراق (2003) .
شكّلت الفكرة القوميّة العربيّة، وحزبها البعث، أحد أبرز التيّارات الفكريّة والسياسيّة في الوطن العربيّ خلال القرن العشرين، التي سعت إلى تحقيق نهضةٍ شاملة تقوم على وحدة اللغة والتاريخ والثقافة والمصير والمصالح المشتركة، مستندةً إلى منظومةٍ فكريّة صاغها المؤسّسون عفلق والبيطار، وأغنتها التجربة والتطوّر من خلال المؤتمرات ومجهودات المفكّرين البعثيّين إلى يومنا هذا.
لم تسلم التجربة التطبيقيّة للحزب في سوريا والعراق من كشف فجواتٍ واضحة بين المبادئ النظريّة والممارسات الواقعيّة، وهي ضريبة الفكرة والتطوير، والتي واجهها الحزب بنقدٍ شجاع وثّقته وثائق عديدة لا يتّسع المجال لتناولها، لكنّها أكّدت خاصيّة المرونة الثوريّة وخاصيّة التجدّد التي يتمتّع بها الحزب على الدوام.
السؤال المركزيّ: إلى أيّ مدى التزمت التجربة البعثيّة بمضامين الفكر القوميّ كما وردت في نصوصها التأسيسيّة؟
من المهمّ، قبل الإجابة على هذا السؤال، الإشارة إلى الأسس النظريّة للفكرة القوميّة البعثيّة، المتمثّلة في مفهوم القوميّة العربيّة، التي يرى القائد المؤسّس ميشيل عفلق أنّ الأمّة كيانٌ حيّ يجمعه التاريخ واللغة والثقافة، وأنّ تجزئته نتيجةٌ للاستعمار، وليست تعبيرًا عن واقعٍ طبيعيّ؛ ولذلك دعا إلى توحيد الأمّة ضمن دولةٍ واحدة انطلاقًا من هذه الحقيقة.
وأيضًا، ضمن هذا الوعي بحقيقة الأمّة، انطلقت شعارات البعث لمعالجة مشاكلها في الوحدة والحرّية والاشتراكيّة، بالمضامين التي أشرنا إلى معانيها أعلاه.
وضمن الأسس النظريّة للفكرة القوميّة: الحزب الطليعيّ الذي يقود الجماهير نحو تحقيق أهداف الأمّة، وهو تصوّرٌ يمنح الحزب دورًا مركزيًّا في توجيه المجتمع.
إنّ القراءة الواقعيّة لهذه المرتكزات النظريّة تؤشّر الفجوة بين النصّ والتجربة.
على مستوى الهدف الأسمى (الوحدة)، شهدت تجربة الحزب فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (1958 إلى 1961). وعلى مستوى الحريّات، شهدت تجربة الحزب تراجعاتٍ في تجربة الحكم في سوريا بسبب الردّة، وفي العراق بتحدّياتٍ داخليّة وخارجيّة. لكن، في التقدير النهائيّ، انتقص ذلك من رؤيته الأصيلة في هذا الجانب.
ويمكن تفسير هذا بعدّة عوامل: تدخّل الجيش في السياسة، والضغوط الخارجيّة، والاستهداف الاستعماريّ، وغياب المؤسّسات الديمقراطيّة.
يتّضح جليًّا أنّ تجربة البعث تمثّل تطوّرًا مهمًّا في المقارنة بين ما حملته النصوص البعثيّة من طموحاتٍ قوميّة تحرّريّة، وبين الواقع الذي حمل تناقضاتٍ كبيرة. ولا يعني ذلك فشل الفكرة القوميّة في ذاتها، بقدر ما يكشف عن تعقيدات الواقع السياسيّ والاجتماعيّ وسبل مواجهته.
ومن ثمّ، فإنّ إعادة قراءة التجربة، ونحن نحتفي بالذكرى (79) لتأسيس البعث، تظلّ ضروريّة لفهم تحدّيات النهضة القوميّة المعاصرة، وهذا ما أراه توجّهًا تبنّاه المؤتمر القوميّ الثالث عشر، برغم عدم اطّلاعنا على وثائقه، لكنّ البيان الختاميّ يحمل هذه التوجّهات.
– ميشيل عفلق، (في سبيل البعث).
– صلاح الدين البيطار، مقالات في الفكر القوميّ.
– جورج طرابيشي، نقد الفكر القوميّ العربيّ.
– ياسين الحافظ، دراسات حول حزب البعث وتجربته السياسيّة في سوريا والعراق.

Leave a Reply