الرشيد حسب الرسول
“إنّ حركتنا أصبحت قدر الأمّة العربيّة في هذا العصر”
ميشيل عفلق
لم يكن ميلاد حزب الثورة العربيّة مجرّد حدثٍ عابرٍ في تاريخ النضال العربيّ، بل شكّل نقلةً نوعيّةً في نضال الجماهير العربيّة، ورفع سقف أهدافها وطموحاتها من خلال المشروع النهضويّ التقدّميّ الذي طرحه، والذي انطلق لمعالجة أمراض الواقع العربيّ والمتمثّلة في (التجزئة، والتخلّف، والتبعيّة). لذلك طرح نظريّته القوميّة كعلاجٍ جذريٍّ شامل لكلّ ما يعيق نضال جماهير الوطن العربيّ نحو التحرّر والتقدّم والازدهار.
النظريّة القوميّة
ربط الحزب، منذ بواكير نشأته، بين أهدافه، منطلقًا من تحليلٍ عميقٍ لواقع الصراع المصيريّ بين تطلّعات جماهير الأمّة العربيّة وبين أعدائها، والأمراض التي تسيطر على واقعها. فطُرحت الوحدة كهدفٍ وردٍّ على واقع التجزئة، وكهدفٍ له أرجحيّته المعنويّة في نضال الجماهير العربيّة، والحرّية كردٍّ على واقع التخلّف والاستعمار، والاشتراكيّة كردٍّ على واقع التبعيّة والاستغلال. وقد عبّر عن هذا الترابط في الأهداف القائد المؤسّس بالقول: “مجرّد وضع القضيّة العربيّة القوميّة في صيغةٍ فكريّةٍ شاملة، كان أوّل مساهمة في تركيز الحركة القوميّة العربيّة على أسسٍ صلبة”.
حقيقة الأمّة
أكثر ما ميّز فكر البعث أنّه انطلق من حقيقة الأمّة العربيّة، كونها أمّةً عظيمةً كانت أرض الحضارات ومهبط الديانات، وضعت اللبنات الأولى للحضارة الإنسانيّة، بينما تعيش اليوم على هامش التاريخ. هذا التناقض بين ماضي الأمّة وحاضرها لم يطرح الحزب معالجته من خلال نظرةٍ رجعيّةٍ أو عاطفيّة، بل دفع نحو استنهاض تاريخ الأمّة وربطه ربطًا جدليًّا بواقعها، ليستشرف بشكلٍ علميٍّ مستقبلها النهضويّ التقدّميّ.
ووظّف ذلك في شكلٍ رساليٍّ للأمّة العربيّة يتلخّص في نضالها اليوميّ من أجل تغييرٍ جذريٍّ شاملٍ لواقعها المتخلّف، وإقامة المجتمع الاشتراكيّ الديمقراطيّ الحرّ الموحّد، والقادر على الإسهام الفعّال في تطوير الحضارة الإنسانيّة وتجديد قيمها، وهو ما منح هذه الرسالة صفة الخلود.
الواقعيّة الفكريّة
لم يرتبط فكر حزب البعث، خلال تطوّر مسيرته، بحتميّةٍ جامدةٍ لتسيير عجلة التاريخ، وإنّما مازج بين الفكر والممارسة العمليّة، ولم يتراجع، غير هيّاب، عن أيّ خطأٍ أثبته وعي التجربة، ممّا جعله فكرًا متجدّدًا على الدوام.
كما أنّ فكر البعث لم يكن منغلقًا أو منعزلًا عن التجارب الإنسانيّة الأخرى، وهو ما عبّر عنه الأستاذ شبلي العيسمي بالقول: “رغم أنّ الحزب، منذ نشأته، كان ولا يزال منفتحًا على التجارب الثوريّة في العالم، فقد ظلّ حريصًا على الاستقلاليّة والأصالة، وعلى التجديد المستمدّ من الممارسة الذاتيّة وخصوصيّة التجربة القوميّة، مع لجم النزوع نحو النقل والتقليد لتجارب الآخرين”.
المسيرة النضاليّة
أكثر ما ميّز فكر حزب الثورة العربيّة أنّه ربط نضاله بنضال الجماهير اليوميّ، حيث ظلّ، منذ نشأته، في مقدّمة القوى التي تطرح رؤاها في الوطن العربيّ، ولم يتأخّر يومًا في أيٍّ من المعارك التي تخوضها الجماهير العربيّة، سواء في مواجهة الأنظمة الرجعيّة الدكتاتوريّة، أو في معارك التحرّر ضدّ القوى الاستعماريّة والتوسّعيّة الطامعة في استغلال ثروات الوطن العربيّ، أو في مواجهة قوى الردّة والظلام داخل الحزب.
وهو ما عبّر عنه الأمين العام الأستاذ علي الريح السنهوري في المؤتمر القطريّ السادس (2013م) بالقول: ”إنّه حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ الذي امتدّت جذوره عميقةً في تربة قطرنا ووطننا، وأصبح عصيًّا على الاجتثاث والاحتواء، إذ طالما تعرّض في مسيرته للتشويه والقمع والإرهاب والعدوان، فما زادته إلّا قوّةً وإصرارًا على المضيّ قدمًا في سبيل بعث هذه الأمّة وتحقيق أهدافها في الوحدة والحرّية والاشتراكيّة، حتى أضحى عنوان المرحلة النضاليّة للأمّة في تاريخها المعاصر”.

Leave a Reply