البعث بين التأسيس وإعادة التأسيس.. الفكرة التي تُحاصَر لأنها ما تزال ممكنة

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

ليست الأفكار العظيمة تلك التي تظل حبيسة في كتبها، بل تلك التي تُختبر في التاريخ والجغرافيا والحياة. وحين نعود إلى لحظة التأسيس الأولى للبعث العربي، لا بوصفها ذكرى، بل كحدثٍ مفتوح على الحاضر والحلم والمستقبل، ندرك أن السؤال العميق لم يعد: كيف وُلدت الفكرة؟ بل: لماذا ما تزال تُحاصَر حتى يومنا هذا؟
في السابع من نيسان 1947م، لم يُؤسَّس حزب بالمعنى التنظيمي الضيّق، بل جرى الإعلان والتدشين عن قطيعةٍ مع حالة تاريخية كاملة: قطيعة مع التجزئة القاهرة بوصفها قدرًا، ومع التبعية بوصفها خيارًا، ومع الاستلاب بوصفه توعيةً. لقد كانت الفكرة، في جوهرها، إعادة تعريف للإنسان العربي ولمشروعه الحضاري والإنساني، لا كامتدادٍ لماضٍ منقطع، بل كفاعلٍ قادر على إنتاج مستقبله.
غير أنّ الأفكار والقيم والمبادئ، حين تدخل مسارات التاريخ، لا تبقى نقيّة. فهي تُختبر في الواقع، وتتصادم وتتقاطع مع الشروط، وتتعرّض لمحاولات الاحتواء أو الإجهاض أو الزوال المتعمّد. وهنا، يبدأ التمايز والتمييز بين فكرةٍ تموت حين تفشل، وفكرةٍ تتجدّد لأنها تتجاوز فشلها. والبعث، في مساره الطويل، لم يكن استثناءً من هذا القانون.
لقد كشفت التجربة، عبر محطاتها النضالية المختلفة، عن فجوةٍ مؤلمة بين النص والممارسة، بين المشروع وإمكاناته، بين الطموح وشروط تحقيقه، وبين الحلم وإمكانية تطبيقه. غير أنّ هذه الفجوة، على مرارتها وقسوتها، لا تعني سقوط الفكرة وزوالها، بل تكشف عن الحاجة إلى إعادة تأسيسها على ضوء التجربة، لا الهروب منها.
ولئن أشرت إلى فجوة بين النص والممارسة، فإن هذه الفجوة لا تعني قصورًا في الفكرة، بل تعكس حقيقة موضوعية: أن توازن القوى الذي واجهته التجربة البعثية كان شديد الاختلال، سواء من حيث الكوابح الداخلية “التخلف، المذهبية، الصراع على السلطة”، أو الخارجية “التآمر الإمبريالي، الحروب، الحصار”. ومع ذلك، استطاع البعث أن يقدّم مردودًا استثنائيًا في ظل هذه الظروف، وأن يظل فكره حيّاً وقادرًا على الاستيعاب والتجاوز.
وهنا، تبرز دلالة المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م، لا كإجراء تنظيمي، بل كلحظة جوهرية لمراجعة تاريخية. فالسؤال الذي يطرحه، ضمنًا أو صراحة، كيف نعيد إنتاج المرحلة التأسيسية بفكرتها الأولى، في عالم تغيّرت فيه قواعد النزاع والصراع والمنافسة؟ عالم لم تعد فيه الهيمنة والسيطرة عسكرية فقط، بل معرفية وثقافية واقتصادية وتقنية، ولم تعد فيه المعارك تدار على الأرض وحدها، بل على القيم والأخلاق والوعي الإنساني أيضًا.
إنّ ما جرى في العراق بعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003، وإسقاط حكمه الوطني، فإنّ ما جرى تحت عنوان “اجتثاث البعث”، ليس مجرد تصفية تنظيم حزبي، بل محاولة واعية ومخطّطة لها لضرب إمكانية أن تكون هناك فكرة قادرة على إعادة تشكيل الفضاء العربي خارج منطق التبعية للإمبريالية العالمية. وهنا، تتبدّى المفارقة العظيمة: الفكرة التي يُعلن موتها، تُحارَب وكأنها ما تزال حيّة.
وإذا كان ما جرى في العراق بعد الاحتلال في 2003م، قد استهدف البنية التنظيمية للفكرة، فإن فلسطين تمثّل الاختبار التاريخي الأكثر عمقًا لجوهرها. فالقضية الفلسطينية لم تكن، في وعيها القومي، مجرد نزاع جغرافي أو سياسي، بل كانت التعبير الأكثر كثافة عن سؤال التحرّر العربي في مواجهة المشروع الاستعماري بأشكاله المختلفة (الإمبريالي والصهيوني). وبالتالي فإن تغييب فلسطين عن مركز الوعي العربي ليس مجرد تراجع سياسي، بل كان انكسارًا في بوصلة الوعي التي توجّه الفعل القومي ذاته.
فحين تتحوّل فلسطين من قضية مركزية إلى ملف تفاوضي، لا تتراجع القضية وحدها، بل يتراجع معها المعنى الكلي للمشروع النهضوي العربي. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة تأسيس الفكرة القومية، دون إعادة الاعتبار لفلسطين بوصفها معيارًا للوعي والتحرّر، تظل محاولة ناقصة، تدور في الفراغ ولا تمس جوهر الصراع.
“ففكرة البعث تمثّلت في الرسالة الخالدة لأمّة عربية حيّة في ماضيها وحضارتها الإنسانية، ولدورها الرسالي تجاه الإنسانية” وهذا ما يفرض إعادة طرح السؤال من جديد، والذي يتمثل في: هل الأزمة في الفكرة، أم في علاقتنا بها؟
إنّ القومية العربية، كما طُرحت في لحظتها التأسيسية الأولى، لم تكن خطابًا عاطفيًا مجردًا، بل مشروعًا حضاريًا وثقافيًا ونضاليًا وتاريخيًا للوحدة العربية والتحرّر والعدالة الاجتماعية. لكنها، في كثير من تجلياتها اللاحقة، تحوّلت—بفعل عوامل وتأثيرات داخلية وخارجية—إلى شعاراتٍ منفصلة عن أدوات تحقيقها في بعض الأحيان. وبالتالي فإن استعادتها القومية العربية لا يمكن أن تتم عبر التكرار، بل عبر إعادة البناء.
إعادة البناء تعني:
1/ ألا تبقى الفكرة في موقع التبرير، بل أن تعود إلى موقع المبادرة.
2/ الانتقال من الدفاع إلى الفعل.
3/ أن يُعاد تعريف الصراع، لا كصراعٍ سياسي فحسب، بل كصراعٍ على الوعي، وعلى من يملك تعريف الواقع.
4/ إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والتنظيم، بحيث لا يكون التنظيم عبئًا على الفكرة، ولا تكون الفكرة مجرد غطاءٍ له. فالأزمة ليست في وجود التنظيم، بل في غياب القدرة على تحويله إلى أداةٍ فاعلة في المجتمع العربي.
وفي هذا السياق، لا تصبح الذكرى مناسبة للاحتفاء فقط، إنما لحظة للتساؤل: هل ما زال حزب البعث قادرًا على أن يكون مشروعًا قوميًا ورساليًا للأمّة العربية مستقبلًا، أم أنه بات جزءًا من الذاكرة؟
الإجابة لا يمكن أن تكون نظرية، فهي تُختبر في القدرة والاستعداد والعمل على قراءة الواقع، وعلى إنتاج أدوات نضالية وثورية جديدة، وعلى إعادة وصل الفكرة بحاجات ومتطلبات المجتمع العربي، لا بتاريخه فقط.
إنّ الفكرة التي لا تتجدّد تموت وتتلاشى، لكن الفكرة الحيّة التي تُحاصَر غالبًا ما تكون ما تزال ممكنة. وفي السابع من نيسان، لا يكون السؤال: ماذا كان البعث؟ بل: هل نملك القدرة والاستعداد لإعادة تأسيسه؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.