البروفيسور أبو القاسم قور.. المفكر والأديب والحقوقي الذي كتب قواعد السلام

صحيفة الهدف

بقلم: البخيت النعيم

كاتب صحفي

#آراء_حرة

صديقي البروفيسور أبو القاسم قور، لا أكتب لأعزيك فحسب، بل أكتب لأعزّي فقد الثقافة والآداب والفنون والفلسفة والعلم والسلام والمسرح والنقد الأدبي، بفقد أيقونة شامخة وباذخة على مستوى الوطن العربي والإفريقي والإسلامي والعالمي.

إنني أعزي وطني السودان، لأن أحد علاماته وأعلامه قد رحل يوم 20 أغسطس 2025 في القاهرة عاصمة المحتوى الثقافي والحضاري.

بروف قور رمزية لجيل كامل يبحث عن وطن تُشاع فيه الحريات وحقوق الإنسان ووقف الحرب وإقامة المصالحة الشاملة التي تعالج جذور الأزمة السودانية.

بروف قور جعل من النقد الأدبي والمسرح محراباً للأمل والتلاقح الثقافي، وجعل من مشروع السلام ومركز الدراسات والبحوث الذي يديره ضوءاً وجسراً للإيصال والتواصل الفكري والثقافي والاجتماعي من أجل بناء السلام والمصالحة والوحدة والنهضة والعدالة والعدالة الانتقالية.

تتكوّن شخصيته الاستثنائية والفذّة من خليط من المعرفة والمنهجية العلمية والأصالة والمعاصرة. تجده دوماً يجمع بين المتناقضات، يُنتج القصة القصيرة والرواية والمسرحية ويدندن بعوده الذي أهداه له الموسيقار علي المك، مردداً كلمات وألحان أبو داؤود وإيقاعات وألحان المردوم والجراري والكمبلا، كما نجده في حلبات المتصوفة والذاكرين والزاهدين.

مؤلفات وكتب فلسفية وروايات وقصص

للبروفيسور أبو القاسم قور العديد من المؤلفات والدراسات والبحوث والندوات في مجال الآداب والفنون والسلام والفلسفة والفقه والتأصيل، منها كتاب: “الفلسفة الغربية وأثرها على المذاهب المسرحية”، وكتاب “نزاع منطقة أبيي”، وكتاب “فلسفة مفهوم ثقافة السلام”، ورواية “خراب بارفو سيك الأفريقية”، ورواية “حاملات القرابين”. ومن القصص القصيرة: “الشناق” و”الحمار السكران”. ومن الدراسات: “نقد تناسج ثقافات الفرجة لأريكا إيشت فيشر”، وفي الفلسفة: “نظرية الدراما من التقليد إلى التحمل”. وغيرها من المؤلفات.

وهو الأستاذ الجامعي في الجامعات السودانية والعربية والإفريقية.

بروف قور بين مقاربات ومراجعات نقدية

المتابع لكتابات ودراسات بروف قور النقدية والفلسفية والوجودية والتأصيلية وما يتعلق بحقوق الإنسان، يجده كثيراً يقارن بين الحضارة الإسلامية والعربية والحضارات الغربية الأوروبية، ومفاهيم الحياة وكيف يعيش الناس بين المادة والروح والسعادة والعلاقات الاجتماعية. خلال الأشهر الماضية، كتب عن الآداب والفنون والمسرح الأوروبي حيث عمل مقارنات تأصيلية عن رؤية الإسلام، واستشهد بكثير من المفكرين والفلاسفة مثل ابن رشد وابن خلدون والدكتور جعفر شيخ إدريس وغيرهم.

كما للبروف قور بحوث ودراسات مقارنة عن مرتكزات حقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعن فلسفة السلام.

كما يجد الباحث والمتابع لكتابات وقصص وروايات بروف قور أنه يجمع بين العقل والنقل والمنهج العلمي الجدلي التاريخي، فهو المسلم المستنير الذي يقرأ الواقع بمنهجية ويضع معالجات واقعية تجمع بين العقل والنقل والواقعية. كما نجد أن قصصه القصيرة استلهمها من واقع النشأة البدوية والريفية التي عاشها في أرض كردفان، حيث تنقل بين السهل والجبل والنهر والأودية والغابات. تتناول قصصه الرعوية والفنون الشعبية والنفير والفزع والكرم وقضايا المرأة وحقوقها والنزاعات القبلية وضرورة حلها سلمياً عبر آليات التفاوض والأعراف والتعايش السلمي. وإن أغلب قصصه ورواياته وكتاباته الصحفية غلب عليها الواقعية وهو حقاً من المفكرين والمثقفين العضويين الذين يعرفون نبض الشارع واتجاهاته حيث يضع المعالجات من خلال سرديات واقعية.

لحظات باقية مع بروف قور منذ رحيله تحاصرني صور ومشاهد وخواطر ومبادرات باقية من خلال الخطى التي مشيناها معاً. أذكر منها مبادرة جامعة السودان ومركز دراسات السلام لحل نزاع أبيي بين قبيلة المسيرية ودينكا نقوك، حيث ضم الوفد عدداً من أساتذة الجامعة والبروف أبو القاسم قور والخبير جاد الله آدم الرضي والمحامي حسن محمد حماد، وشخصي. سافرنا للمجلد وأقمنا ورشة كبيرة ضمت أكثر من 300 شخص من مثقفين وإدارات أهلية وشباب ونساء، خرجنا بتوصيات وقواسم مشتركة كانت دليلاً لمؤتمرات صلح بين المجتمعات المتنازعة. كان كثيراً يتصل بي لحضور عدد كبير من الفعاليات الثقافية وسيمينارات السلام ومنصات الحوار الفكري والأدبي. كان يزورني في صحيفة الخرطوم لنشر مقالاته الأدبية والسياسية والحقوقية.

بروف قور وأدب المراثي والموت

للبروف أبو القاسم قور رؤى فلسفية وتأصيلية تؤكد إيمانه العميق بالإرادة الإلهية، وأن الإنسان في الدنيا مُسَيَّر وأن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، حيث يقول في إحدى سردياته الإيمانية: “إن العزلة وسؤال العدم والخوف من المجهول تلك هي فلسفة الموت لدى الفلسفة الغربية المعاصرة، لكن فلسفة الموت في عقيدة الإسلام فالله هو الحق والمسلم المتابع لرؤية الإسلام الحق المنهي بأوامره والذي أدى الأمانة خير أداء هو في شوق دائم لملاقاة صاحب الحق وصاحب الحق هو الله وإن نبي الإسلام جاء رحمة للعباد وعلى المؤمن أن يفضل ما عند الله على ما في الدنيا أي ضرورة الزهد في الدنيا والتوجه للآخرة”.

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

صدق الله العظيم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.