مفارقات الشهادة السودانية

صحيفة الهدف

عبدالعزيز شين

من مفارقات الشهادة السودانية لهذا العام أن 95 طالبة ضمن المائة الأوائل في امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام. يعني خمسة أولاد فقط كانوا ضمن المائة الأوائل! يبدو أن الشغلانية انقلبت.. وسيكون الهاشتاق: الطالبات في الصدارة.. والأولاد مكانهم المطبخ! وبالعودة إلى التقسيم الزمني، نجد أن الفترة من 1960 وحتى 1974 كان أوائل الشهادة السودانية فيها من الذكور، ولم تدخلها إلا طالبتان فقط طوال هذه المدة. ولم يبدأ الاقتحام المنتظم للطالبات لقائمة الأوائل إلا في الفترة من 1975 وحتى عام 1990، ثم بدأت مرحلة اكتساح الطالبات لقوائم الأوائل منذ العام 2000، حتى وصل الأمر منتهاه هذا العام، 2026، باكتساح 95 طالبة لقائمة المائة الأوائل. ومن المفارقات الطريفة أن أول الشهادة السودانية عام 1964، البروفيسور محمد أحمد الشيخ، لم يعلم بأنه أحرز المركز الأول في الشهادة السودانية إلا بعد شهرين من إذاعة النتيجة في الراديو؛ والسبب أنه لم تكن هناك أجهزة راديو في قريته إلا عند قلة قليلة، وعرف أنه الأول عندما ذهب إلى مدرسة خورطقت لوداع زملائه. في حين أن أول الشهادة الآن تظهر صوره، وتُجرى معه المقابلات الصحفية والتلفزيونية بعد دقائق من إعلان النتيجة في المؤتمر الصحفي. وتحرص المدرسة على الإسراع في الإعلان عن أول الشهادة من ضمن طلابها، طمعًا في الصيت والشهرة وزيادة إقبال الناس على الالتحاق بها. وكان أوائل الشهادة دائمًا من المدارس الحكومية العريقة؛ لأن المدارس الخاصة كانت، في ذلك الوقت، للطلاب ضعيفي المستوى الذين لم تؤهلهم درجاتهم للالتحاق بالمدارس الحكومية. فسبحان الله مغير الأحوال، الذي عكس هذه الآية… إنا لله وإنا إليه راجعون! وللمفارقة، فقد دخلت إحدى المدارس الخاصة برقم يصعب هضمه وابتلاعه، وهو 51 طالبًا ضمن المائة الأوائل لهذا العام، وهي نتيجة لم تحققها أعظم المدارس في السودان، مثل مدارس خورطقت، ووادي سيدنا، وعطبرة الحكومية، وحنتوب، قديمًا، أو مدارس يوسف الدقير، ومدني بنات، أو مدرسة الشيخ مصطفى الأمين، وعلوية عبدالرافع في العهد الحديث. فهل كان ظهور 51 طالبًا من مدرسة واحدة ضمن المائة الأوائل دليلًا على عبقرية هذه المدرسة في الإدارة والتعليم؟ أم أنه تكريس للاتهامات المتداولة عن أن هذه المدرسة تشتري النوابغ، وتخضعهم لنظام تعليمي صارم من أجل أن يدخل اسم المدرسة في قائمة الأوائل؛ طمعًا في الشهرة واجتذاب الطلاب والأموال؟ جدير بالذكر أن المعلمين الأكفاء في المدارس الحكومية كانوا يتبعون نظامًا فريدًا في تصنيف الطلاب؛ فيضعون المتفوقين في فصل، ويضعون ضعيفي المستوى في فصل آخر، ليس من أجل التركيز مع المتفوقين وإبرازهم في المؤتمر الصحفي، بل من أجل اختيار أفضل وأعظم الأساتذة لتدريس الفصول ضعيفة المستوى، بهدف إلحاقهم بمستوى الطلاب المتفوقين. وهذا هو المقصد التعليمي الأهم، بعيدًا عن المكاسب المادية ومحاولات تسليع التعليم. ونتساءل بكل جدية عن غياب المدارس الحكومية عن المشهد، وغياب مسؤولية الوزارة عن دورها في دعم التعليم الحكومي، على حساب المدارس الخاصة.

#الشهادة_السودانية #التعليم #السودان #المدارس_الحكومية #الخصوصية_التعليمية #انتشار_واسع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.