حوار: عبدالمنعم مختار
تقدم الروائية والكاتبة السودانية ملكة الفاضل تجربة إبداعية تتقاطع فيها الرواية بالشعر والمسرح، وتتداخل فيها الذاكرة بالخيال، والكتابة بالأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع السوداني. ومن أبرز رواياتها «الجدران القاسية» و«في مكان ما»، إلى جانب روايتها «الشاعرة والمغني».
في هذا الحوار، تتحدث عن بدايات تجربتها، وموقع المرأة في المشهد الأدبي، وتأثير الحرب على الكتابة، وعلاقة الأدب بالذاكرة والتاريخ، فضلًا عن تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما تكشف عن آثار الحرب على تجربتها الشخصية، بعدما التهمت النيران منزلها وكتبها وأوراقها وأعمالًا روائية كانت قيد الكتابة.
#كيف تنظرين أو تقيمين تجربتك الإبداعية وأنت تقفين على ذروة من الإبداع الروائي؟ وما مشروعك للمستقبل؟
ما زلت أدور على موقع تحت مظلة الإبداع. كل ما تجود به القريحة من قصيد أو حكي يظل مجرد محاولة جديدة. القارئ أو المتلقي هو من يمكنه تصنيف ما يُقدَّم باعتباره إبداعًا.
أفترض أن كل واحد منا يملك ما يقدمه في فضاءات الإبداع إذا ما سنحت له الفرصة. وأعتبر نفسي من جيل حظي بمثل هذه الفرص؛ فالبيت كان يتيح لنا الاطلاع من خلال الكتب والمجلات، والمدرسة كانت تعج بجمعياتها الثقافية ومجلاتها الحائطية ومسابقاتها، التي تجعل من قصيدة خجولة أو موضوع إنشاء مشروعًا لمقال قادم أو إبداع محتمل. وكم من كراسة قديمة تظل في الذاكرة شاهدة على التجربة والتجريب.
كتبت أولى قصائدي في المرحلة المتوسطة، وشاركت في مسابقات القصة القصيرة والشعر في المرحلة الثانوية، وفي الجامعة اتسعت مجالات الانفتاح على عالم الأدب بأجناسه المختلفة. وفيما بعد، كان هناك أكثر من دفتر بخط اليد يحمل قصائد ومقاطع شعر، وأولى رواياتي «الجدران القاسية» بخط اليد، ومسرحية «فاطمة السمحة» الفائزة في مسابقة محمود عثمان صالح للمسرح، وقد كتبتها بالشعر العامي بخط اليد، وبعض فصول روايتي «في مكان ما»، وفصول من رواية «الشاعرة والمغني» الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي.
ثم جاء اللابتوب لينقلنا إلى مرحلة التقنيات الحديثة بكل سلاسة ويسر. لكن كل ما اعتبرته كنوزًا صغيرة تخصني التهمته الحرب وداناتها وقذائفها. الحمد لله على كل حال.
المستقبل يشكله، على نحو ما، الحاضر والماضي القريب. ما زلت أحاول فهم ما حدث وكيف حدث، وفي غضون ذلك أحاول استعادة الشغف القديم؛ حيث يقود الخيال قلمك مستندًا إلى بعض ما يدور في الواقع.
الآن تبدو الحاجة ملحة إلى مزيد من الوقت حتى تجد قلمك الذي يحكي ويسرد ويشكل أحداثًا ومشاهد تكون قالبًا لرواية جديدة. لكن يبدو أن الحرب تفرض مسارًا آخر، ولو إلى حين. وهذا ما أراه في كتابي الأخير «هترشات الحرب والنزوح»، الذي صدر عن دار زراف للنشر في يوليو 2026.
وهو كتاب صغير الحجم يحكي عن تجربة الحرب والنزوح كما عشتها، وغالبًا سيكون هناك جزء ثانٍ يحكي عن تجربة اللجوء. الكتاب عبارة عن خواطر وأخبار ومقاطع ونصوص أدبية وأخرى منقولة، وهي بلا شك تجربة جديدة لي في مجال الكتابة. وهو ليس رواية كما ظنه الكثيرون.
#أين أنت من التصنيف السائد للأدب وتقسيمه بين أنثوي وذكوري؟ وما ملامح كل منهما؟
يبدو وكأن التصنيف يعني أن هناك أدبًا يخص الرجل وآخر يخص المرأة، ولكل منهما سماته وملامحه وشروطه وما إلى ذلك.
أعتقد أن المسألة لا تخرج عن كونها إحصاءً وقراءة تاريخية توضح أن الرجل، كما ساد في مجالات الحكم والسياسة والتجارة وميادين الحروب، بسط حضوره أيضًا في مجال الأدب والثقافة منذ أزمنة بعيدة، تحركه في ذلك قناعات أيديولوجية وعرقية وغيرها.
والمرأة تاريخيًا ظلت أقل حضورًا من الرجل، وفرضت ذلك عوامل اجتماعية مختلفة. لكن النفس الطويل لنساء مبدعات هو الذي جعل منهن أسماء يُشار إليها في عالم الأدب.
أرى أن ذات القضايا والبواعث التي تحرك الرجل المبدع تحرك المرأة. فقضايا الحرب والسلام هي ذاتها، والمعاناة هي ذاتها، والفرح والانتصار يغلب على هذا أو تلك، فيعبر أو تعبر عنه كما شاءت الملكة الأدبية لكل منهما.
بعد نشر روايتي الأولى، ظن البعض أنها ليست بقلمي، فقط لأنها تعبر عما يحدث داخل المعتقلات، والرجل، في اعتقادهم، هو الأقدر على مثل هذه المجازفة.
ظني أن القضايا الإنسانية تحرك كل إنسان، ربما على نحو مختلف، لكنها تدفعه للتعبير عن نفسه كما تشاء له ملكته الفردية. كما أن عوامل السوق والطباعة والمنصات الثقافية على مر التاريخ ظلت في الغالب حكرًا على الرجال بسبب محدودية إمكانيات وفرص النشر.
لكن في السنوات الأخيرة، وبعد تعدد المنصات وإتاحتها لأكبر عدد ممكن من المشاركين والمشاركات، تتغير الأمور بطريقة مذهلة، وربما يساهم ذلك في توضيح حقيقة أن الإبداع بوجه عام تدفع به التجارب الإنسانية، وليس ذكوريًا أو أنثويًا.
#كيف تنظرين إلى الحرب وما أفرزته من تداعيات أثرت على حاضر وتكوين الإنسان السوداني، وما الأثر المتوقع لكل ذلك على الأدب؟ وهل ثمة إرهاصات لما يمكن تسميته «أدب الحرب» أو «رواية الحرب»؟
بلا شك ستكون هناك روايات وروايات عن الحرب، وربما ظهرت بالفعل أكثر من رواية دفعت بها هذه الحرب التعيسة.
الآن تحكي العديد من المنشورات على وسائط التواصل الاجتماعي عن تجارب كتابها وكاتباتها أثناء الحرب والنزوح، وربما يحولها رواتها إلى كتب وإصدارات.
كانت الصدمة الكبرى في اندلاع الحرب نفسها، وليس تداعياتها فقط. وهذا ما يدعو إلى التأمل والغوص في تلك العقد التي تبدو عصية، لكنها بلا شك ستخضع في النهاية لما يجعل منها عملًا إبداعيًا عظيمًا.
#ما أثر ثورة تكنولوجيا الاتصالات على الإبداع، والسردي على وجه الخصوص؟ وما تقديرك لتأثيرات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال؟
قبل أكثر من عشرين عامًا، دار نقاش بين عدد من المعلمين من جنسيات مختلفة حول الإنترنت ودوره في المجتمع. وأذكر الامتعاض على وجه متحدث بريطاني الجنسية، وهو يتحدث باقتضاب ويقول: سترون أي تأثير سالب ستحدثه الإنترنت في العالم أجمع، وأي دور غير محمود.
الآن، وبعد كل هذه السنين، لا أملك سوى الاتفاق مع وجهة نظره. يبدو العالم أجمع خاضعًا لتكنولوجيا العصر التي فرضت نفسها على كافة المجالات الحيوية. وما كان في بداية الأمر افتتانًا صار امتحانًا صعبًا للإنسان؛ فمن يحاول تفاديه يجد نفسه كإنسان «خارج الشبكة».
قضايا الشعوب المصيرية قد يعلن عن مساراتها بتغريدة مازحة أو جادة، لكنها في نهاية الأمر قرار يمس العديد من الناس. وما تفعله تكنولوجيا العصر بالسياسة والاقتصاد والصناعة وغيرها لا يمكن للأدب والفن أن يكونا بمنأى عنه.
ففيديو هنا رواية هناك قد يكونان باعثين على التفكير بحاجب مرفوع، أو على زلزلة قناعة مسبقة للمبدع أو المبدعة، تجعله يتساءل إن كان «خارج الشبكة».
وبالطبع، إيجابيات التكنولوجيا الحديثة أكثر من أن تعد وتحصى. الآن صار من السهل التواصل مع أكبر الرموز في عالم الشعر أو السرد عبر صفحاتهم على فيسبوك أو غيرها من المنصات. يمكنك ترشيح بعض قصائدك أو إحدى رواياتك بقليل من الجهد ومعرفة بتقنيات التلقي والإرسال، ويمكنك أن تعرض وجهة نظرك في لقاء يضم شخصيات من قارات الدنيا السبع. ما لم يكن متاحًا في الماضي القريب صار متاحًا بوسائل وتقنيات الاتصالات.
وإذا كان هناك مأخذ، فإنه يتمثل في تلك الجدر التي يصنعها الكيبورد بسبب اختلاف وجهات النظر، مما يؤدي إلى معركة حامية الوطيس بين أشخاص، إن تلاقوا على أرض الواقع، لن تكون هناك جدر ولا سدود ولا سهام أو نصال، وإنما حكاية الرأي والرأي الآخر.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو الذي يمد رجله بمنتهى الاطمئنان والهدوء، ويبادلك المعلومة والمنطق بكل تهذيب، ويعلن عن هويته بكل إصرار، ويتسلل حولك ومن كل مكان، في أحرف قصيدة وحبكة قصة وذروة رواية. وقد يجعلك نهبًا للإشفاق على ملكات ظلت على الدوام محرك الإبداع الإنساني وتميزه.
على المدى القريب يبدو الذكاء الاصطناعي معينًا للجميع، وعلى المدى البعيد قد يصير مهددًا للجميع، وله سطوة تجعل من الصعوبة بمكان التصدي له.
بعض التصريحات على صهوة السوشيال ميديا تجعلك تشك في مقدرة جياد الإبداع على مواصلة الصهيل؛ مثال ذلك التحذير من نصوص تُدفع لخوض منافسات في الشعر أو النثر أو الترجمة، مع التحذير من إقحام الذكاء الاصطناعي لضمان التواجد في المنافسة.
ولكن بصفة عامة، يبدو الذكاء الاصطناعي يمشي واثق الخطى حتى هذه اللحظة.
#في تجربتك الروائية، أين تقف العلاقة بين الذاكرة والخيال؟ وهل ترين أن الروائي السوداني مطالب بأن يكون مؤرخًا لزمنه، أم أن وظيفة الرواية تتجاوز تسجيل الوقائع إلى إعادة تشكيل الحقيقة وكشف ما تعجز الوثيقة عن قوله؟
الذاكرة تمدني بالحدث الأساسي الذي تتمحور حوله أحداث الرواية وتسلسلها.
تجربة صادمة لمحامٍ شاب قادته إلى الاعتقال والتعذيب كانت البداية التي صنعت أحداث رواية «الجدران القاسية». وخبر عن مجموعة مختطفة من الأطفال شكل بداية رواية «في مكان ما». وعبارة صغيرة في تقرير صحفي تشير إلى «سكان الحفر» جعلت من «الشاعرة والمغني» روايتي الثالثة.
تختزن الذاكرة ما يمكن أن يكون العمود الفقري للرواية، ثم يأتي دور الخيال الذي يزود الكاتب بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع تسلسل الأحداث وبناء الشخصيات والحبكة، وكل تلك المعارك الصغيرة والكبيرة لشخصيات الرواية المختلفة.
أما الكاتب، فهو مطالب بالانحياز إلى النص الذي يعمل على إخراجه للناس، ولا بد له من توخي الحذر حتى لا يقع في شرك التأريخ، خاصة في أزمنة الصراعات، وأن يبعد عن نفسه شبهة الانحياز والتعصب حتى لا تهزم قناعاته السياسية أو الفكرية رسالته الإبداعية.
وبلا شك، فإن أي محاولة منه أو منها تفترض الانحياز إلى النص الخلاق، والمحافظة على الحقائق كما هي، دون محاولة لتغييرها أو التأثير عليها.
#بعد كل هذه التحولات التي عصفت بالسودان: الحرب، الهجرة، اللجوء، تفكك المكان وتبدل منظومة القيم؛ هل تعتقدين أن الرواية السودانية القادمة ستكتب سودانًا جديدًا؟ وما الذي تخشين أن تفقده الرواية في خضم هذا التحول، وما الذي تأملين أن تكتشفه؟ تحولات مهولة تنتظر من يوثق لها بذهن صاف، ومن يكتب عنها بقريحة متقدة، ومن يعبر عنها بيقين لا تهزه أسئلة تبحث عن إجابات.
كيف حدث ما حدث؟ وما خلناه صدامًا لا يلبث أن يتوقف، صار حربًا لا يراد لها أن تتوقف، ونزوحًا متعدد الاتجاهات، ولجوءًا حيّر المنظمات والأنظمة، وفقدانًا في كل زمان ومكان، وشتاتًا ليس مثله شتات.
كل هذا، وغيره كثير، حري بأن يجعل كتابة رواية أمرًا مربكًا في هذا الوقت.
شخصيًا، فقدت شغف الكتابة والسرد منذ خروجنا من بيوتنا. وعندما استعدت بعضًا منه، دونت بعض خواطري وانطباعاتي في «هترشات الحرب والنزوح».
إن مدّ الله في العمر، ستكون هناك رواية قادمة. وحتى ذلك الوقت سأظل أعمل على استعادة بعض مشاهد وأحداث آخر رواية وضعت خاتمتها قبل الحرب بأسابيع، وفقدتها كما فقدت اللابتوب وكل كتبي وأوراقي وممتلكاتنا في شقتنا المحترقة بفعل الحرب.
بدأت أحداث الرواية في قطار وانتهت في جزيرة ظلت نهب حروب متعددة، وتنتهي الرواية بعبارة عن المحبة التي ستعيد الحياة والأمان إلى الجزيرة.
وإزاء كل ما حدث ويحدث الآن من عنف وعنف مضاد، وخطاب للكراهية ومفردات للكره وسجالات الميديا، وغير ذلك مما أفرزته الحرب المهبوشة، ربما تتحفنا الأيام بأكثر من رواية لأكثر من مبدع ومبدعة، تبدأ بالمحبة وتنتهي بها، لتساهم في استعادة وطن نراه ينزلق منا.
#ملكة_الفاضل #السودان #الرواية_السودانية #أدب_الحرب #ثقافة #حوارات #انتشار_واسع

Leave a Reply