بين افياء خمسينية رابطة الجزيرة للآداب والفنون

صحيفة الهدف

عبدالله رزق ابوسيمازه
تستعد رابطة الجزيرة للآداب والفنون ، بحاضرة ولاية الجزيرة ، ود مدني ، بعد أن أكملت – مرة ثانية – بنيانها ، كإطار يجمع شتات المبدعين ، وينظم أنشطتهم ، وأصبح لها حضورها في الفضاء الرقمي ، حيث دشنت جريدتها الإلكترونية ( مرافيء الابداع ) ، للاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيسها . هو نصف قرن من الابداع في شتى ضروبه ، لم يقتصر على مدينة المنشأ ، وانما شمل جغرافية واسعة من ولاية الجزيرة . وهو احتفال تأخر سنوات ، لأسباب عديدة ، منها الحرب المجنونة ، التي أحرقت البلاد ، وأكثرت فيها الفساد . فقد كانت الرابطة ، ولازالت ، مثل منارة سامقة ، في محيط لا نهائي من التيه . والاحتفال بميلادها هو إعلان عن أهمية الثقافة في المجتمعات المحلية ، واحتفاء بها . وتعتبر الرابطة ، امتدادا لتقاليد راسخة ، في الحياة الثقافية في المنطقة ، منذ الجمعية الأدبية ، على الاقل ، في تجسيد ارادة المثقفين ، واستدعاء دورهم في النهضة ، من جهة ، مثلما تعتبر حلقة ضمن سلسلة من الجمعيات الثقافية ، التي انتظمت البلاد في سبعينات القرن الماضي ، مثل اولوس في كسلا ، وسنار الأدبية في سنار وغيرها ، من الجهة الأخرى . فيما تعبر الرابطة ، كغيرها من التكوينات المماثلة ، عن استجابة ضمنية من قبل فئة المثقفين ، لنداء الضمير ، والوطن والتناصر الانساني ، بالقصيدة والقصة واللوحة والمسرحية وغيرها . فالرابطة ، تاريخيا ، سليلة الجمعية الأدبية ، بود مدني ، التي انبثقت منها الدعوة لقيام مؤتمر للخريجين . وكان الاستاذ احمد خير ، هو رائد هذه المبادرة ، التي شكلت منعطفا مهما في تاريخ السودان الحديث ، حين وضعته على طريق الاستقلال الوطني . من الممكن النظر لرابطة الجزيرة للآداب والفنون ، بمثابة احياء لتلك الجمعية الأدبية وتراثها وتقاليدها في المبادرات الوطنية ، واستلهام لها ، وان في ظروف مختلفة . وتكمن أهميتها ، كذلك ، في ما تنطوي عليه من إمكان تجديد الحركة الوطنية ، بعد أن أخنى عليها الذي اخنى على لبد . ثمة علاقة جدلية بين نشوء الحركة الوطنية ، من ناحية ، وازدهار الحركة الأدبية والثقافية في تمظهراتها المختلفة ، في كل أنحاء البلاد ، من الناحية الاخرى . فمن جمعيات وجماعات الهاشماب وابوروف والفجر والجمعية الادبية بودمدني وغيرها ، وحتى أندية الخريجين ، تبلورت الحركة الوطنية ، ونهضت بمسؤولية قيادة البلاد نحو التحرر ، والجلاء من الاستعمار . ومع تدهور الأوضاع المتسارع بالبلاد باتجاه الهاوية ، فإن تجددها ، ربما كان وعدا بأمل ، بأن تأخذ بيدها لمعاونتها للنهوض من رماد الحروب والانقسامات والتدمير الشامل .
ان احتفال الرابطة بعيدها الخمسين هو دلالة حيويتها ، وحيوية الفعل الثقافي ومكانته المتميزة في المجتمع ، كما هو احتجاج ، في الوقت نفسه ، ضد الخراب الممنهج الجاري ، وتشبث ، من الجهة الأخرى ، بالحياة ، وبكل ما فيها من جمال . ففي زمان الذكاء الاصطناعي ، لازال ثمة مكان للمبدع ، ولما يمكن أن يكونه ، وأن يقوله .
خمسينية رابطة الجزيرة للآداب والفنون ، حدث ثقافي بالغ الأهمية ، لجهة تعزيز قيمة التنظيم والديموقراطية في المجتمع المدني . غير ان الذكرى الطيبة للاستاذ احمد خير ، التي تستدعيها المناسبة ، قد لا تخلو من التطلع المشروع لأسهام الانتلجنسيا ، عموما ، ومرة أخرى ، في اقالة الوطن من عثراته ، لكنها ، بكل تأكيد ، لا تحجب النظر النقدي لتجربة جيل احمد خير ومنصور خالد ، وصفوته الموسومة بالفشل ، منذ توزعت ، نهاية عهد الخريجين ، بين قيادتي الطائفية والعسكرية ، لافتقارها لمشروع وطني أو لأدواته التنفيذية ، ومن ثم تخليها ، في نهاية المطاف ، عن دور الطليعة .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.