الجملة الناقصة

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك

ذات صباح خريفي في عاصمة تتقاطع فيها الذاكرة بالحلم، وتختلط فيها الشعارات القديمة بالغبار، صادف صديقي ـ الذي جاء من بلد ظل يلهث خلف الخلاص ـ رئيس بلاده يسير بلا حراسة تمنعه، فقد أومأ لهم بتركه بعد تفتيشه. بدا الرئيس مرتاحا، أنيقا في بذلة مدنية من طراز حديث، يبتسم وكان قد خرج توا من إعلان بُث في عيد ثورته في التلفزيون عن “زمن جديد”.

توقف صديقي لحظة قبل أن يقترب. لم يكن التردد خوفا فقط، بل شيئا يشبه وخز الذاكرة: أخ اعتقل لسنوات، مقال منع، ليلة طويلة قضاها في انتظار طرق عنيف على الباب. ومع ذلك، لم يكن متأكدا إن كان كل ذلك يكفي ليسقط زمنا كاملا في كلمة “بغيض”.

اقترب أخيرا، وقال بصوت مفعم بتعب يشبه الامتنان: – سعادة الرئيس، شكرا لكم… لقد أنقذتمونا.

توقف الرئيس برهة، وكأنه يستعيد كلمات حفظها جيدا: – نعم، أنقذناكم من ذلك النظام البغيض.

رفع صديقي حاجبه قليلا، لكن هذه المرة لم يكن السؤال خالصا، بل مثقلا بشيء من الشك: – لكن يا سيادة الرئيس… ممن؟ أو مم أنقذتمونا بالضبط؟

أجابه بابتسامة نصف متعالية: – من ذلك النظام الفاسد، ألم يكن مكروها لديكم؟

سكت الصديق لحظة. تذكر الوجوه التي كانت تهمس بالخوف، وأخرى كانت تصفق، وأخرى لا يعنيها شيء. ثم قال ببطء: – بعضنا… ربما. لكن هل كنا نحن جميعا من يبغضه؟

– نعم… أنتم. – ومن قال لك ذلك؟ – نحن شعرنا بذلك… إحساسنا كان صادقا.

ابتسم الصديق، لكن ابتسامته كانت هذه المرة مشروخة: – يا لصدق إحساسكم… نحن أنفسنا لم نكن نعرف ما نشعر به تماما.

أخذ الرئيس نفسا عميقا، وراح يستحضر قوالب الخطاب المعهودة: – ألم تر؟ لقد كان نظاما فاسدا من رأسه حتى القاعدة.

هزّ الصديق رأسه، ثم قال وكأنه يراجع نفسه قبل أن يجيب: – نعم… كان فيه فساد، وكان فيه خوف… لكن كانت فيه حرية، ونحن من انتخبنا رأسه. أو على الأقل… ظننا أننا نفعل.

ابتسم الرئيس تلك الابتسامة الماكرة التي يجيدها الساسة حين يختصرون كل حماقات الجماهير في جملة: – إذاً كنتم مخطئين!

تردد الصديق هذه المرة أطول. نظر إلى الشارع، إلى وجوه لا تعرف إن كانت قد خسرت شيئا أو ربحت. ثم قال بصوت خافت: – ربما… كنا مخطئين. أو ربما كنا نحاول أن نكون على صواب بطريقتنا.

لم ينتظر الرئيس ردا. ألقى نظرة إلى ساعته، كأنه تذكر أنه في وطن لا وقت فيه للحقيقة، ثم غادر مسرعا.

بقي الصديق واقفا هناك، تتنازعه جملتان لا تستقران: “كنا مخطئين… نعم، كنا مخطئين…”

وكانت المدينة تستمر في دورتها الرمادية، لا تسأل كثيرا عمن أنقذ من، ولا تهتم كثيرا بمن أخطأ أولا، ولا بمن يملك الآن حق تعريف الخطأ نفسه.

٤ أغسطس ٢٠١٨

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #أدب #قصة_قصيرة #ثقافة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.