حلاوة المولد في أم درمان.. مذاق التراث وتميُّز الطيب سيد مكي

صحيفة الهدف

عبدالعزيز شين

ترتبط نفحات المولد النبوي برائحة السمسم المحمّص وحلاوة الفولية التي تملأ الأسواق والساحات. فمدينة أم درمان، دون غيرها من مدن السودان، تشتهر بصناعة حلوى المولد النبوي، وهي صناعة تخصّصت فيها بعض الأسر ورجال الأعمال منذ عشرات السنين. وليست حلوى المولد مجرد حلويات موسمية، بل هي تقليد شعبي متوارث وطقس من طقوس الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يحمل في طياته ذكريات الطفولة وبهجة العيد ودفء التلاقي العائلي.

تعود جذور حلوى المولد إلى مصر إبان العصر الفاطمي، حيث ارتبطت بذكرى ميلاد النبي محمد ﷺ كأحد مظاهر الاحتفال. ومع مطلع القرن العشرين، انتقلت هذه الصناعة إلى السودان على يد رائد من روادها، وهو الحاج إبراهيم عبداللطيف، الذي عاد إلى السودان عام 1916، حاملاً أصول مهنة حلاوة المولد التي تعلّمها في مصر، واستمر عطاؤه حتى بداية ثمانينيات القرن العشرين.

ومنذ ذلك الحين، ترسخت هذه الصناعة في أم درمان، وأصبحت المدينة مركزاً لإمداد العاصمة وسائر الأقاليم السودانية بحلويات المولد. ويعتمد المصنعون منذ قرابة القرن على المواد الخام المحلية من سمسم وفول وحمص وكبكبي وسكر ونشاء.

تتنوع حلويات المولد في أم درمان بتنوع أذواق محبيها، غير أن الفولية تعتبر أشهر أنواع حلاوة المولد على الإطلاق، وتتكون من الفول السوداني المغطى بطبقة من السكر أو العسل. تتميز بطعمها المحبب وقرمشتها التي لا تُقاوم.

ثم تأتي السمسمية، التي تُصنع من السمسم الخالص المغطى بطبقة سكرية، وهناك أيضاً الحمصية التي تعتمد على الحمص مكوّناً رئيسياً، وتتميز بمذاقها الخاص الذي يميزها عن غيرها. ثم يأتي جوز الهند، وهو نوع آخر يضفي نكهة مميزة على تشكيلة حلويات المولد.

وظهرت أنواع أخرى من الحلوى مع تطور خبرات صناعة حلاوة المولد، مثل اللكوم، والهريسة، والعلف، والسمنّية وغيرها.

ولم ينسَ صناع الحلوى الأطفال من نصيبهم من فرحة المولد، فصنعوا لهم عروسة المولد والحصان، وما شابه من أشكال أخرى، مثل الدبابات والمواتر والأفيال.

تنتشر مصانع ومعامل حلوى المولد في أم درمان في عدة أحياء، أبرزها حي العرب حي المسالمة، حيث تتركز معظم المعامل. ويُقدّر عدد المصانع المتخصصة في إنتاج حلويات المولد في أم درمان وحدها بحوالي 150 مصنعاً، مما يجعلها مركزاً صناعياً موسمياً ضخماً.

ومن أبرز الأسماء والعلامات التجارية في صناعة حلاوة المولد بأم درمان: بقلاوة يوسف المصري، وآل الفكي، والمغربي، ومصنع الهلال، ثم الحاج إبراهيم عبداللطيف، وأحمد طه، الرائد التاريخي لهذه الصناعة في السودان.

أما أشهر الرواد على الإطلاق، فهو الطيب سيد مكي، الذي تشهد خيمته ازدحاماً كبيراً من محبي حلاوة المولد، بفضل جودة إنتاجه وتميّزه في صناعتها.

وتظل حلوى المولد في أم درمان أكثر من مجرد حلوى موسمية؛ إنها جزء من الهوية الثقافية والتراث الشعبي السوداني، وصناعة تحمل عبق التاريخ ودفء التقاليد. ورغم التحديات التي تواجهها، تبقى هذه الصناعة شاهداً على عبقرية الصنّاع السودانيين وقدرتهم على تحويل مكونات بسيطة من السمسم والفول والسكر إلى لوحة من النكهات، تبهج القلوب قبل الأفواه، وتجمع العائلات حول مائدتها في بهجة المولد النبوي الشريف.

وتجعل هذه الحلوى المغتربين في الخليج يطلبونها بالاسم. ورغم أن صناعة حلوى المولد في دول أخرى قد تكون أكثر تقدماً من حيث التشكيل والتغليف واستعمال المكسرات في صناعتها، تظل الحلوى السودانية، في نظر محبيها، الأطعم والأجمل، والأكثر التصاقاً بذاكرة المولد ووجدان السودانيين.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #تراث_شعبي #حلاوة_المولد #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.