جماليات المكان

صحيفة الهدف

عبدالعزيز الجنيد

المكان له حضور دائم في ذاكرة الإنسان، وهذا الحضور يكون مرتبطًا بالأثر الذي يتشكل من أحداث أكثر تداخلًا في وحدة الزمان والمكان. ويقول علماء الجمال إن الأماكن تكتسب بعدها الجمالي من الأثر الذكرياتي المرتبط بهذا أو ذاك المكان.

لذلك نلاحظ أن الأماكن، كمفهوم، أصبحت حالة ذهنية في جغرافيا الخطاب الإبداعي بمختلف أجناسه الإبداعية: الخطاب الشعري، والقصصي، والتشكيل أيضًا. ولا أستثني الموسيقى، فالمكان في العمل الموسيقي يشكل حضورًا طاغيًا في أخيلة المستمع. (استدعاء المكان على مستوى التصور).

فعلى سبيل المثال، عندما عدت بعد سنوات من المنفى الاختياري، أول ما بدأت به هو البحث عن الأماكن المختزنة في الذاكرة الجمالية. فذهبت إلى مركز شباب الخرطوم غرب، ذلك المكان الذي كان مزدهرًا بالحركة الثقافية، وتحديدًا النشاط المسرحي، حيث كنت مشرفًا على شعبة المسرح في ذاك الزمان. وكانت الأمسيات مفعمة بمناخات الإبداع المتعددة: الموسيقى، والمسرح، والنشاط الرياضي.

ولكن كانت الدهشة أكثر حزنًا عندما وجدت أن المركز قد أصبح أثرًا بعد عين. تمت إزالته بالكامل، وقامت على أنقاضه بعض المحال التجارية. فازدادت قناعتي بأن المناخ لم يعد صالحًا للإبداع. وصراحة، الدولة التي تزيل صرحًا ثقافيًا لبناء محال تجارية لا أعتقد أنها قادرة على إنتاج أو تحقيق مشروع نهضوي. والحقيقة، هذا هو منهج الدولة الثيوقراطية منذ عصور الظلام في عصر ما قبل النهضة الأوروبية.

فحملت ذكرياتي وعدت بها، متلفعًا بالليل والصمت.

وأنا أتذكر مقولة أحد علماء الجمال: «إن اللحظة الجمالية تضيع وتفنى، ولكن هذا الفناء يؤسس في ذات الوقت لميلاد لحظة جمالية أخرى». إنه (ديالكتيك الجمال)، أي جدلية الجمال عبر فناء اللحظة الجمالية.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #ثقافة #فلسفة_الجمال #المكان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.