وداعاً رائدة التربية والنهضة وأم الشهداء نفيسة المليك

صحيفة الهدف

البخيت النعيم

قال الشاعر الصادق أصغر: ما مات من زرع الفضائل في الورى

بل عاش عمراً ثانياً تحت الثرى

فالذكر يحيي ميتاً ربما ماتا

الذي ما زَالَ يسمع أو يرى

ودعتنا في شهر أغسطس ٢٠٢٦م المرأة التي تركت أثراً طيباً على الوطن، رائدة التربية ومعلمة الأجيال وأم الشهداء الأستاذة نفيسة أبوبكر المليك، إحدى رموز المجتمع السوداني، ابنة رفاعة التي وُلدت فيها عام ١٩٣٢م، وابنة أمدرمان التي استقرت فيها وصاغت شخصيتها الباذخة.

نفيسة المليك رمز نضالي وتربوي ونهضوي، تتكون شخصيتها من خليط من الوعي المبكر بقضايا الوطن والتعليم والعمل الثقافي والاجتماعي، وكانت كثيراً ما تهتم بتحرير المرأة، حيث كانت تقول إن التغيير والتطور في المجتمع مدخله تعليم المرأة، وكانت كثيراً ما تردد أشعار الشاعر عبيد عبد النور:

يا أم ضفائر قودي الرسن

وأهتفي فليحيا الوطن

اهتمت الأستاذة نفيسة المليك بقضايا التعليم في رفاعة والجزيرة، وعندما استقرت في أمدرمان ساهمت مع أسرتها في تأسيس مدارس المليك للبنات بالملازمين.

تخرجت الأستاذة نفيسة المليك من كلية المعلمات، وواصلت دراستها حتى نالت درجة الماجستير من جامعة مانشستر ببريطانيا عام ١٩٩٨م، كما منحتها جامعة الأحفاد للبنات درجة الدكتوراه الفخرية.

كما تعتبر الأستاذة نفيسة من مؤسسي اتحاد المعلمات، الذي تطور إلى نقابة المعلمات، حيث تولت رئاسة النقابة خلال الفترة من ١٩٥٠م حتى ١٩٥٣م. كما لعبت دوراً مميزاً في الدفاع عن حقوق المعلمات واحترام كرامتهن.

كما أسست مع والدها الشيخ أبوبكر المليك مدارس المليك للبنات عام ١٩٤٨م، وقد تولت الأستاذة نفيسة إدارة المدارس، فكانت مدارس ناجحة ومتفوقة.

كما شاركت الأستاذة نفيسة في عدد كبير من منظمات المجتمع المدني، خاصة في قضايا الحركة النسوية السودانية، وكانت من مؤسسي الاتحاد النسائي السوداني عام ١٩٥٢م.

مجهوداتها البحثية والثقافية والإعلامية

للأستاذة نفيسة المليك بحوث ودراسات ومقالات ولقاءات إعلامية موثقة، حيث كانت مهتمة بقضايا المرأة، وكانت تحرض المرأة على ضرورة التغيير الاجتماعي ونبذ العادات الضارة، وقد كتبت بحثاً تحت عنوان: «أما آن لنا أن نستيقظ؟».

كما ساهمت في الكتابة في مجلة صوت المرأة، وشاركت في العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية والحوارات الصحفية.

أدوارها النضالية والوطنية والقومية

تعتبر الأستاذة نفيسة المليك من الجيل الرائد الذي يحمل شعلة الوعي، ومن دعاة الدولة الوطنية الديمقراطية، ولها مواقف وطنية مشرفة ضد الأنظمة الدكتاتورية، حيث قاومت انقلاب الفريق عبود عام ١٩٥٨م، ورفضت التعامل مع مؤسساته السياسية.

كما شاركت في ثورة أكتوبر ١٩٦٤م، وقاومت نظام انقلاب مايو ١٩٦٩م، ورفضت التعامل مع مؤسساته السياسية وواجهاته الكرتونية.

كما قاومت نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩م، ولم تعترف به، كما وقفت الأستاذة نفيسة المليك مع ثورة ديسمبر ٢٠١٨م، ودعمت النظام المدني الديمقراطي.

مواقف بطولية من أجل حقوق شهداء حركة ٢٨ رمضان والتمسك ببرنامجها الوطني

لعبت الأستاذة نفيسة المليك دوراً نضالياً مقاومًّا لنظام الإنقاذ المتأسلم، وأيضاً فضحت مذبحة حركة ٢٨ رمضان في ٢٣ أبريل ١٩٩٠م، التي اغتيل فيها قادة التنظيم الوطني من ضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة، حيث تم اغتيالهم دون محاكمة عادلة.

وكان من ضمن الشهداء ابنها الضابط أكرم الفاتح، وقريبها ابن رفاعة قائد حركة رمضان، الفريق طيار خالد الزين علي نمر، حيث قالت عنه إن الفريق خالد الزين يعادل ألف بطل.

وفي نفس شهر اغتيال شهداء رمضان، أسست الأستاذة نفيسة، مع أسر الشهداء، تجمع أسر شهداء رمضان، الذي لعب دوراً نضالياً وسياسياً في التحريض ضد نظام الإنقاذ الدكتاتوري.

حيث تبنى تجمع الأسر برنامج حركة رمضان، الذي كان من أهم ركائزه استعادة واسترداد الديمقراطية، وحل القضايا الوطنية سلمياً، ووقف الح.رب، وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، والمحافظة على وحدة واستقلالية البلاد، وإقرار وثيقة دستورية تكفل الحريات العامة وسيادة حكم القانون، والفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، واستقلال مؤسسات التعليم، وتطوير القوات النظامية المسلحة، وتعامل السودان الإيجابي مع قضايا الوطن العربي والمحيط الأفريقي، ومناصرة القضية الفلسطينية، ومناهضة العنصرية والصهيونية.

كما ظل تجمع الأسر يطالب باسترداد كامل حقوق الشهداء، والقصاص العادل، وتسليم رفات الشهداء لأسرهم، والكشف عن وقائع محاكمات الشهداء.

كما كان دار الأستاذة نفيسة المليك مقراً لاجتماعات أسر شهداء رمضان، بل لأكثر من ثلاثة عقود ظلت الأسر تقيم فعالياتها السنوية في ٢٨ رمضان بمنزلها بأمدرمان، الملازمين.

وفاءً وتكريماً لها رفعت أسر تجمع الشهداء علماً أسود على بوابة دارها بالملازمين، حداداً على رحيلها.

حقاً كانت الأستاذة نفيسة المليك أماً لكل الشهداء والأرامل والأطفال، وكانت امرأة كريمة ومن الزمن الجميل والأصيل.

قال الشاعر الغوث محمد:

ازرع جميلك وارحل غير منتظر

واترك بفعلك ما يغنيك من أثر

إننا لا نعزيكِ، أستاذة الأجيال الفاضلة نفيسة المليك، فحسب، وإنما نعزي الوطن وأمدرمان ورفاعة وأسر الشهداء. العزاء لأبنائها وبناتها: أيمن الفاتح، وأيسر، ورفاء، ووفاء، وسحر، ولأسرة حي الملازمين.

اللهم ارحم الأستاذة نفيسة المليك، أم الشهداء، وأكرم نزلها ومثواها.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافي_الهدف_105 #مقالات #رموز_سودانية #نفيسة_المليك #أم_الشهداء

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.