سامي أبو الدبل.. الدرس الأخير

صحيفة الهدف

سهل الطيب

سامي أبو الدبل فردتي شديد وزميل مرحلة متوسطة.. ونحنا في سنة تانية جاتو فرصة يشتغل مع عمّك حسن عوض الله في الطوطحانية، وقبل العيد بي يومين فكّو الطبلة الكبيرة من الجنازير المصدّية، وأطلقوا سراح الحديد، واتنصبت الطوطحانية في طرف الميدان الكبير، وتمّمو عليها كم نفر من سكان الحِلّة وبقت جاهزة تمرجح العيال في العيد.

يوم العيد وبعد الصلاة مشينا استلمنا عيدياتنا، وملينا جيوبنا عملات معدنية صغيرة ورنانة، وقطع حلاوة. وسامي أبو الدبل فات استلم شغلتو، يمرجح شفع العيد، وعمّك حسن عوض الله قاعد في الكرسي تحت شجرة النيم، يستلم القروش ويوجّه الشفع. نهار ساخن لكن ما سخونة تمنع الأطفال من المرجحة، ولا سامي من دفرة الطوطحانية.. اليوم الرابع سامي بقى جيبو كبير وملان قروش، وقرّر يعزمنا سينما.. وأنا حصل لي طارئ مع ناس البيت وطارت العزومة، كما طارت مشاريع كتيرة كان أبو الدبل بعملها لينا.. ومعظمها مغامرات قمت بيها لأول مرة، زي إيجار دراجة في ميدان حِلّة، ورا وحوامة في غابة السنط، وانبساطة في ركوب البرينسة معلّق في الباب، وقعاد في بصات أبو رجيلة والمكنة الخلفية الدافية.

اليوم داك سامي أبو الدبل ماعارفو مشى مع منو، ولكن في الرجعة كانت بادية عليهو فرحة العيد في الوش، وإرهاق دفرة الطوطحانية والجيوب المحشية بالعملات المعدنية الرنانة.. رنين الجيوب استفز سكارى ومشرّدين طاردوهو وهرب منهم، ولما جا ينط ويقطع الخور كراعو جلّت، والرأس طقش في حافة الخور الأسمنتية القاسية الخشنة، والدم سال بشدّة، والناس المطاردنو هربو.. وليل السوق الموحش شرب الأنّات الضعيفة على مهل، وانعدم المغيث وفاضت الروح، وانطلقت نحو السماء الرحيمة بالأطفال اليافعين. وتاني يوم الصباح الشمس دفّقت نورها على الفاجعة العظيمة، وأقدام أهلو الحسو بالتأخير غير المعتاد من أبو الدبل اتعثّرت بالجثّة.

أنا يا سهل كل ما أسمع بتغيير العملة بتذكّر الريالات المعدنية اللامعة الإنبشقت من جيب أبو الدبل وهو بحاول الهروب.. ريالات هاربة ولامعة وسط أكوام من الورق ومخلّفات الخيران.. قمّة البعثرة لكنها لا زالت تومض بالبريق.. قروش وأشلان وتعاريف متلاصقة، وقطعة من أب قرشين “فريني” مجدوع بعيد جدًا من مسرح السقوط، وكأنو فكرة الهرب من باقي العملات كانت مستقرة في دماغو ومنتظرة الفرصة.. حتى العساكر الكانو بمثّلو قدامنا أنهم أشداء ومفتحين ومتعودين على مناظر الجريمة خارت قواهم لما بدو يجمعو قطع النقود من مسرح موت الطفل.. كانو بجمعوها وكأنّها جمرات حارقة تحتاج للحرص.

سامي أبو الدبل وراني حاجات كتيرة ونحنا لسة في المتوسطة.. علّمني اختار “البزيانوس” من عربات المشروبات في حدايق مايو، وكيف أبدا فسحتي في جنينة الحيوانات، وكيف اتشعلق في باب البرينسة وأمسك بكل قوة.. وكيف أدافر في صف الفرن وأتحرّك بالجمبات عشان أصل الشباك أسرع. كنت بفتكر إنو آخر درس هو كيف إنو العملات المعدنية مهما جمعناها ممكن تتسبّب في موتنا وتبقى زي الجمرات.. جمرات تدمع القلب وتحرق الأصابع وتصنع الفجيعة حتى في وجوه العساكر.

في الفُراش كنت قاعد مع أستاذ معاذ وبديت أحكي ليهو عن الحاجات الإتعلمتها من سامي أبو الدبل.. أستاذ معاذ سمعني وبكا، وتاني عاين لي وقال لي الدرس الأخير ما كان عن قيمة المال، الدرس الأخير العلّمنا ليهو سامي أبو الدبل إننا حنموت تمامًا.. نموت موت كامل.. ياهو يا ولدي سامي مات.. والموت درس!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.