حلة كمونية

صحيفة الهدف

د. توتا صلاح مبارك

في آخر عودةٍ لي إلى السودان ، وقبل أن أنفض عني حبيبات شتاء إسكتلندا وبعض غبار السفر اللذيذ، زفّ إليّ هاتفي صوت ابنة عمي «إقبال» و هو يسيل فرحاً، مبشراً بزيارةٍ قريبة تحمل معها ما ظنّت أنه سيكون مفاجأةً سارة لي.

ولم أحتج إلى كثير جهد لأكتشف أن تلك المفاجأة ليست سوى… “حَلّة كمونية”.

فقد اعتادت أن تستقبل عودتي إلى الخرطوم بهذا الطبق المحبب.

ولم تكن تعلم أنني كنت على قاب قوسين من الانسلاخ من قبيلة «آكلي اللحوم»، والانضمام إلى ثلة النباتيين، أسوةً بزوجي وابنتي.

لكنني قررت، مؤقتاً، أن أهادن ميولي النباتية الطارئة، وقلت لنفسي: فلتكن هذه المرة «عشائي الأخير»!

وكانت تلك سانحةً لعصفٍ ذهني حول «الكمونية» السودانية.

بحثت عن تاريخها، فلم أظفر بما يشفي الغليل ، إذ لا يبدو أن تاريخها موثق توثيقاً كافياً، ولذلك يعتمد الحديث عن نشأتها على التراث الشعبي والتاريخ الاجتماعي.

فالكمونية السودانية تنتمي إلى عائلة الأطعمة التي تعتمد على أحشاء الذبائح ،كالكبد والرئة والقلب والكرش. وقد عرفت المجتمعات الرعوية والزراعية هذه الأطعمة ، حيث ارتبطت الحياة بتربية الأبقار والأغنام والإبل، فكان من الطبيعي أن تُستغل الذبيحة كاملة، وألا يُهدر منها شيء.

ومن هنا نشأت أطباق تعتمد على الأحشاء الداخلية التي كانت تُطهى مباشرة بعد الذبح، خاصة في المناسبات والأعياد والأعراس.

أما اسم “الكمونية”، فيُعتقد أنه مشتق من “الكمون”، أحد أهم التوابل الداخلة في إعدادها.

غير أن السودان ليس الوطن الوحيد لهذا الطبق.

فالكمونية معروفة أيضاً في المغرب، حيث تُعرف باسم “التقلية” ، وإن اختلفت بعض تفاصيل إعدادها. فإلى جانب أحشاء الذبيحة، يضاف إليها الكمون ـ وهو البطل الحقيقي للطبق، وربما مصدر اسمه ـ والفلفل الحلو والحار والكزبرة والبقدونس وزيت الزيتون، ثم تُطهى المكونات حتى تصبح أشبه بيخنة غنية بالتوابل. وقد يضاف إليها الزيتون أو الحمص كذلك.

ولا تختلف الكمونية السودانية ونظيرتها المغربية اختلافاً جوهرياً، وإن كانت السودانية تميل إلى البساطة وإبراز النكهة الأصلية للأحشاء، بينما تبدو النسخة المغربية أكثر ثراءً بالتوابل والأعشاب، وأقرب أحياناً إلى روح الطاجين المغربي،أي أنها تتمتع بشيء من الترف مقارنة برفيقتها السودانية رقيقة الحال.

وهكذا يتبين لنا أن الكمونية السودانية ليست بلا جذور،
وليست “مقطوعة من شجرة”،
بل لها أقارب في أنحاء العالم.

فلها ابنة عم مغربية أكثر ثراءً…

ولها أيضاً ابن خال إسكتلندي!

أي والله!

إنه «الهاغيس» (Haggis).

وبين الكمونية السودانية والهاغيس الإسكتلندي تمتد حكاية لطيفة تستحق التأمل.

فالهاغيس هو الطبق القومي الأشهر في إسكتلندا، بل إن حضوره التاريخي والثقافي يفوق حضور طبق السمك والبطاطس الشهير (Fish and Chips).

ويُحضّر الهاغيس من قلب الخروف وكبده ورئتيه، حيث تُفرم هذه المكونات مع البصل والشوفان والشحم والتوابل، ثم تُطهى داخل معدة الخروف، التي حلت محلها اليوم أغلفة صناعية مخصصة لهذا الغرض.

وقد حظي الهاغيس بمكانة خاصة في الوجدان الإسكتلندي، حتى أفرد له الشاعر القومي الأشهر روبرت بيرنز (1759-1796) قصائد وأبياتاً عديدة، محتفياً به بوصفه جزءاً أصيلاً من تراث بلاده وهويتها الثقافية.

ولعل روبرت بيرنز لا يحتاج إلى تعريف كبير؛ فهو صاحب القصيدة العالمية الخالدة «Auld Lang Syne»، التي تعني باللهجة الإسكتلندية القديمة «الأيام الخوالي» أو «منذ زمن بعيد»، والتي عُرفت عالمياً باسم «نشيد الوداع».

وقد أصبحت واحدة من أكثر القصائد انتشاراً في تاريخ الأدب الإنساني، لما تحمله من معانٍ إنسانية نبيلة تتعلق بالوفاء والحنين والذكريات، فضلاً عن لحنها المستمد من الموروث الشعبي الإسكتلندي، والذي يزداد جمالاً حين يُعزف بمزامير القِرَب الإسكتلندية الشهيرة.
ومن أبياتهاً التي لامست وجدان الكثيرين:

«لن ننسى أياماً مضت،
ولن نطوي صفحات ذكراها…»

أما فيما يخص الهاغيس، فقد كتب بيرنز قصيدته الأشهر:

Address to a Haggis
(عنوان إلى الهاغيس)

وهي قصيدة تمجد الوجبة الوطنية الإسكتلندية، وما تزال تُقرأ حتى اليوم في احتفالات «عشاء بيرنز» التقليدية.

ومن أبياتها الشهيرة:

Fair fa’ your honest, sonsie face,
Great Chieftain o’ the Puddin-race!

أما ترجمتها التقريبية فتقول:

تحية لوجهك الصادق البشوش،
أيها الزعيم العظيم لسلالة البودنج!

وفي موضع آخر من القصيدة، يحتفي الشاعر بالهاغيس احتفاءً يكاد يضاهي احتفاء الشعراء العرب بالخيل والنساء!

وأجدني قد بدأت حديثي بأكلة شعبية سودانية هي الكمونية، ثم عرجت على مثيلتها المغربية، وطفت مع شاعر إسكتلندا في رحاب «نشيد الوداع» وقصيدته في عشق الهاغيس.

والقناعة التي استقرت في نفسي خلال هذه الرحلة أن الهاغيس الإسكتلندي، في جوهره، ليس سوى نسخة مطورة ـ أو لعلها أكثر حظوة وشهرة ـ من الكمونية السودانية الأصيلة.

تلك الأكلة التي عرفناها وأحببناها، وما يزال بعضنا ينظر إليها بأقل مما تستحق من تقدير.

وأخشى ما أخشاه أن تصيبها عاهة التهميش التي أصابت «القُراصة» وهي ترى رفيقتها «البيتزا» تتربع على عرش العالمية!

فإذا كان الإسكتلنديون قد جعلوا من الهاغيس رمزاً وطنياً يُحتفى به شعراً وغناءً، فما الذي يمنعنا من أن نفاخر بكمونيتنا، وهي لا تقل أصالة ولا ارتباطاً بالوجدان الشعبي؟

بل لا أتحرج من القول إن الإسكتلنديين حوّلوا الهاغيس إلى رمز قومي كتب فيه الشعراء القصائد، بينما احتفظ السودانيون بالكمونية في مكانها الطبيعي: على المائدة مباشرة، تاركين مهمة المديح للضيوف بعد أول لقمة!

وفي الحقيقة، ومن الناحية الأنثروبولوجية، ربما تكون الكمونية أقدم من الهاغيس بصيغته الحالية،إذ إن طهي الأحشاء بعد الذبح عادة ضاربة في القدم في وادي النيل وشرق إفريقيا والعالم العربي منذ آلاف السنين، بينما يعود أول توثيق واضح للهاغيس في الجزر البريطانية إلى العصور الوسطى.

ولذلك يمكنني أن أعلن على الملأ:

«الهاغيس ليس إلا كمونيةً حظيت بحملة علاقات عامة ناجحة منذ ثلاثة قرون!»

غير أن المقصود من كل هذه الاستطرادات هو الوصول إلى حقيقة بسيطة:

فإن فرقتنا السياسة، وتنازعنا حول كرة القدم، واختلفت ألسنتنا وثقافاتنا، فإن الكمونية توحدنا.

فمن السودان إلى المغرب، ومن المغرب إلى إسكتلندا، اكتشفت أن الشعوب قد تختلف في أشياء كثيرة، لكنها تتفق على مبدأ واحد: احترام الذبيحة وعدم التفريط في أي جزء منها.

وربما لو اجتمع سوداني ومغربي وإسكتلندي حول مائدة واحدة، لاكتشفوا أن خلافاتهم في السياسة وكرة القدم أكبر بكثير من خلافاتهم في الأحشاء المطبوخة!

لقد عجزت السياسة أحياناً عن جمع الناس، لكن الكمونية نجحت في ما عجزت عنه المؤتمرات.

وفي عالم تمزقه الخلافات، ما تزال
الكمونية تؤمن بالحوار!

و يا شعوب الأرض… اتحدوا حول صحن الكمونية!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.