سارة منوفلي
طلعت من البيت ماشّة السوق.
وقفت في الظلط، وجات الحافلة (الروزة 24 راكب)، والكمساري بكورك:
“سوق… سوق… سوق!”
العربية ماشّة بتهدِّن شوية، وإنت بتنط تركب.
والكمساري بياخد ليك جكتين وراك عشان تلحق الحافلة.
واقف في الباب، نصو برة ونصو جوة، بيأشر بيده وينادي:
“سوق… سوق… بوسطة… بوسطة.”
وصلنا تقاطع بانت، والحافلة كانت اتملت.
أغلب الركاب نسوان، لأن الرجال في الشغل، ودي مواعيد مشي السوق.
السواق مركب الهادي الجبل، والأغنية الشغالة “البنية”.
دايمًا باختار مقعد جنب الشباك عشان أتابع الطريق بمزاج، ومع صوت الجبل بسرح بعيد… بعيد… بعيد.
“يلا… عابدين النازل يا جماعة.”
ودخلنا البوسطة.
نزلت وأنا بتكشّب زي كديس المطاعم.
بحب التسوق جدًا… بخليّني مبسوطة، وكيف كمان لمن يكون سوق أمدرمان.
بحس إني لامست السعادة بيدي… جد جد.
أول محطة الفريشة بتاعين الكتب.
بلف أشوف جابوا جديد شنو.
بعدها بدخل الشارع الرئيسي بتاع الصاغة، أمر على محلات الهدوم والأحذية، وأواصل لحدي تقاطع الصاغة مع شارع الجامع الكبير.
هناك في ست كبيرة، حاطة حفاظة كبيرة، بتبيع داندرمة… وطعمها لحدي هسه ساكن في الذاكرة.
أواصل في الصاغة لحدي مكان الأقمشة والستائر، وأصل تقاطع الصاغة مع شارع الكريمات والهتش.
ألف يمين، وأدخل شارع الأنتيكات والمصنوعات الجلدية.
هناك كنت أشوف خواجات بيض وشقراوات لافين في السوق، يشتروا تحفًا، وعلاقات مصنوعة من العاج، ومشغولات جلدية سودانية.
في المكان ده عندي زبون أقدم من السوق ذاته… بتاع الموز.
وجنبه أشهر بائع تسالي.
صدقوني… بفرح بيهم شديد.
أرجع للصاغة، وأواصل لآخر شارع التيمان.
هناك الهيصة… وحاجات الجرتق، والحنة، وتجهيزات العرس، وجدلات العروس، وإيجار الترولي الخاص بالحنة.
بعدها ألف يمين، أمشي سوق العناقريب، وأمر على العطارات القديمة… ريحتها عبق أمدرمان.
ومن زقاق صغير أصل عمارة البرير، مكان الجملة بتاعة كل حاجة.
أرجع تاني شارع التيمان، في اتجاه المحطة الوسطى، وموقف مريم الشجاعة، والبقالة بتاعة الأفريقية الخاصة بحاجات الخبيز للعيد.
زحمة النسوان هناك… والروائح الجميلة… وإنت واقف مستني دورك.
أمشي شمال ناحية محلات التياب، وقمر للأقمشة، والجامع الكبير، وعمارة رجاء للعطور.
وأمر بشارع الدكاترة، مكان إخوانا الجنوبيين وبضائعهم المختلفة.
وأرجع تاني للبوسطة…
“جاية من فووووق… البنية.”
سوق أمدرمان خلّص، والأكياس بقت تقيلة.
كوركت:
“رقشة… رقشة.”
بتاع الرقشة مشغل الحوت:
“ما تشيلي هم.”
طلعت التسالي، أديت الجوكي نصيبه، وانفردت بالباقي.
مديت وشي برة الرقشة زي القرد، أقزقز التسالي، وأرمي القشر في الهوا، أسمع صوتو:
“طق… توف.”
وأردد مع الحوت:
“اتصبري… ما تشيلي هم.”
آه يا أمدرمان…
يا ترى… هل أمدرمان بعد الحرب هي أمدرمان التي عرفناها وأحببناها؟ أم أن الحرب لم تغيّر شوارعها وأسواقها فقط، بل أخذت معها شيئًا من روحها، وتركَت في قلوبنا مدينة لا تزال تسكن الذاكرة أكثر مما تسكن الواقع؟

Leave a Reply