المحرر الاقتصادي
أثار حديث وزير مالية حكومة الأمر الواقع، جبريل إبراهيم، بشأن نجاح الحكومة في الحد من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وتجنّب وصول سعر الدولار إلى عشرة آلاف جنيه كما كان يتوقع في بدايات الحرب، نقاشاً مهماً حول طبيعة الأزمة الاقتصادية السودانية. فهل يمكن اعتبار استقرار سعر الصرف مؤشراً على تحسن الاقتصاد؟ أم أن المشكلة أعمق من مجرد سعر الدولار؟
أولاً: ماذا يعني عدم وصول الدولار إلى عشرة آلاف جنيه؟
من الناحية الفنية، يمكن القول إن حكومة الأمر الواقع نجحت نسبياً في منع السيناريو الأسوأ الذي كان متوقعاً مع اندلاع الحرب. فمن المعروف اقتصادياً أن الحروب تؤدي عادة إلى:
-
توقف الإنتاج.
-
تراجع الصادرات.
-
هروب رؤوس الأموال.
-
زيادة الإنفاق الحكومي غير المنتج.
-
ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية.
وفي ظل هذه الظروف كان من المنطقي توقع انهيار كبير في قيمة الجنيه. لكن عدم تحقق السيناريو الكارثي لا يعني بالضرورة نجاح السياسة الاقتصادية، لأن السؤال الحقيقي ليس: كم بلغ سعر الدولار؟ بل: ماذا يستطيع المواطن أن يشتري بدخله؟. فالاقتصاد لا يُقاس فقط بسعر الصرف، وإنما بقدرة الناس على العيش.
ثانياً: الفرق بين استقرار العملة وتحسن الاقتصاد
هناك خطأ شائع في كثير من الدول النامية يتمثل في اعتبار استقرار سعر الصرف دليلاً على تعافي الاقتصاد. الحقيقة أن العملة ليست الاقتصاد نفسه، بل هي انعكاس جزئي له. فقد يستقر الدولار بينما:
-
ترتفع أسعار السلع الأساسية.
-
تتدهور الخدمات العامة.
-
تتراجع الدخول الحقيقية.
-
يزداد الفقر والبطالة.
وهذا ما يظهر بصورة واضحة في السودان اليوم. فالأسواق في الخرطوم ومدن السودان المختلفة تكشف أن القوة الشرائية للمواطن تراجعت بصورة حادة رغم عدم تحقق سيناريو الانهيار الكامل للعملة. ولهذا فإن المواطن لا يعيش سعر الدولار، بل يعيش سعر الخبز والدواء والكهرباء والمواصلات.
ثالثاً: هل المشكلة في الدولار أم في الإنتاج؟
هنا تبرز أهمية الجزء الثاني من حديث وزير مالية حكومة الأمر الواقع، حين تحدث عن ضرورة زيادة الإنتاج وإضافة قيمة مضافة للمنتجات السودانية. وهذه النقطة ربما تكون الأكثر أهمية في تصريحه. فالسودان لا يعاني في جوهره من أزمة نقد أجنبي فقط، وإنما من أزمة إنتاج. فالاقتصادات القوية لا تبني استقرار عملتها عبر الإجراءات المصرفية وحدها، بل عبر:
-
الزراعة.
-
الصناعة.
-
التصدير.
-
خلق فرص العمل.
-
رفع الإنتاجية.
والمشكلة أن الحرب أصابت القطاعات المنتجة نفسها. فالكثير من المصانع توقفت، وسلاسل الإمداد تعطلت، والاستثمار تراجع، والقوى العاملة تعرضت للنزوح والتهجير. لذلك فإن أي استقرار نقدي لا يستند إلى قاعدة إنتاجية حقيقية يبقى هشاً وقابلاً للانهيار عند أول صدمة جديدة، وتوزيع عادل للثروات بعدالة اجتماعية، وتشجيع القطاعات المختلفة بالدعم والتخطيط، بما في ذلك القطاع الخاص ضمن المنظومة الاقتصادية الكلية للدولة.
رابعاً: القيمة المضافة… الفكرة الصحيحة والعقبة الكبرى
عندما يتحدث وزير حكومة الأمر الواقع عن ضرورة تصدير المنتجات بعد تصنيعها بدلاً من بيعها كمواد خام، فإنه يطرح مبدأ اقتصادياً صحيحاً. فالدول الغنية لا تبيع المواد الخام، بل تبيع المعرفة والعمل والتكنولوجيا المضافة إليها. فمثلاً:
-
القطن الخام يحقق عائداً محدوداً.
-
أما الغزل والنسيج والملابس الجاهزة فتضاعف قيمته مرات عديدة.
وكذلك الأمر بالنسبة للثروة الحيوانية والصمغ العربي والمحاصيل الزراعية. لكن المشكلة ليست في صحة الفكرة، وإنما في شروط تطبيقها. فالتصنيع يحتاج إلى:
-
كهرباء مستقرة.
-
بنية تحتية.
-
تمويل.
-
استقرار أمني.
-
أسواق.
-
مؤسسات دولة فاعلة.
وهي شروط ما تزال الحرب تعرقل جزءاً كبيراً منها.
خامساً: الاقتصاد في زمن الحرب
تاريخياً لا توجد دولة استطاعت تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية وسط حرب ممتدة. فالحرب بطبيعتها تعيد توجيه الموارد من الإنتاج إلى البقاء، وتنقل المجتمع من منطق التنمية إلى منطق الطوارئ. ولهذا فإن أكبر معوق أمام أي برنامج اقتصادي سوداني اليوم ليس سعر الدولار ولا السياسات النقدية، بل استمرار الحرب نفسها. فالاقتصاد يحتاج إلى ما هو أكثر من الأموال، إنه يحتاج إلى الاستقرار. والاستقرار لا يتحقق بالقرارات المالية وحدها.
الخلاصة
يمكن القول إن حديث وزير مالية حكومة الأمر الواقع يحتوي على جانب واقعي وجانب إشكالي في الوقت نفسه. فالحديث عن تجنب الانهيار الكامل للعملة يعكس حقيقة اقتصادية مهمة، لكن معاناة المواطنين اليومية تؤكد أن الاستقرار النسبي في سوق الصرف لم يتحول بعد إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة.
أما الرهان على زيادة الإنتاج وإضافة القيمة المضافة للموارد السودانية فهو رهان صحيح من حيث المبدأ، لكنه يظل مرتبطاً بشرط أساسي لا يمكن تجاوزه: وقف الحرب واستعادة الاستقرار. فالاقتصاد لا يُبنى بالسياسات النقدية وحدها، ولا بسعر الصرف وحده، وإنما ببناء بيئة تسمح للإنسان أن يعمل وينتج ويستثمر ويخطط للمستقبل. ولهذا فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط كيف نحافظ على الجنيه، بل كيف نعيد بناء الاقتصاد الحقيقي الذي يمنح الجنيه قيمته، ويمنح المواطن حياة أكثر أمناً وكرامة.

Leave a Reply