قراءة مؤشرات الحرمان في الوطن العربي: الفقر متعدد الأبعاد.. لماذا لا يكفي المال لبناء الإنسان؟

صحيفة الهدف

 طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

قد يبدو الفقر، في الوعي العام، مسألة بسيطة يمكن قياسها بالدخل أو بعدد النقود التي يمتلكها الإنسان. فإذا ارتفع دخله قيل إنه خرج من دائرة الفقر، وإذا انخفض عُدَّ فقيراً. غير أن هذا التصور، رغم بساطته، لم يعد قادراً على تفسير الواقع الذي تعيشه كثير من المجتمعات، ولا سيما في الوطن العربي.

فقد تكشف الأرقام عن تحسن في الناتج المحلي أو ارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي، بينما تستمر مظاهر الحرمان في التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية، ويظل ملايين الناس عاجزين عن الوصول إلى حياة كريمة. وهنا يبرز مفهوم أكثر عمقاً وتعقيداً هو “الفقر متعدد الأبعاد”، الذي لا يسأل فقط: “كم يملك الإنسان؟”، بل يسأل قبل ذلك: “كيف يعيش؟ وما الذي يستطيع أن يكونه وأن يفعله؟”. إنه انتقال من “اقتصاد النقود” إلى “اقتصاد الإنسان”.

الفقر: بين الدخل والحرمان

ظل الفقر لعقود طويلة يُقاس بما يسمى “الفقر النقدي”، أي انخفاض دخل الفرد أو الأسرة عن خط فقر محدد. ويُعد هذا المقياس مهماً لأنه يسمح بتقدير القدرة الشرائية للأفراد، لكنه لا يفسر وحده حقيقة أوضاعهم المعيشية. فقد يمتلك الإنسان دخلاً أعلى من خط الفقر، لكنه يعيش في منطقة لا توجد فيها مدرسة جيدة، أو مستشفى، أو مياه آمنة، أو كهرباء مستقرة، أو وسائل نقل، أو فرص عمل مستقرة. وهنا يظهر مفهوم الفقر متعدد الأبعاد، الذي ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً يحتاج إلى منظومة متكاملة من الحقوق والفرص، لا إلى دخل نقدي فقط. ولهذا يقيس مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الحرمان في ثلاثة مجالات رئيسية:

  • التعليم.

  • الصحة.

  • مستوى المعيشة والخدمات الأساسية. وبذلك يصبح الفقر حالة مركبة، لا مجرد نقص في المال.

حين يصبح الحرمان بنية اجتماعية

تشير البيانات الحديثة إلى أن نحو 15.1% من سكان الوطن العربي يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وهو ثالث أعلى معدل عالمياً بعد أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، بينما تصل شدة الحرمان إلى 48.9%، أي أن الأفراد الفقراء لا يعانون من حرمان واحد، بل من عدة أشكال متزامنة من الحرمان. وهذا الرقم يكشف حقيقة مهمة: المشكلة ليست في وجود الفقراء فقط، وإنما في “عمق الفقر” نفسه.

فالحرمان من التعليم يقود إلى ضعف فرص العمل، وضعف العمل يقود إلى انخفاض الدخل، وانخفاض الدخل يؤدي إلى ضعف التغذية والصحة، وسوء الصحة يقلل القدرة على التعلم والعمل، فتستمر الحلقة المفرغة جيلاً بعد جيل. وهكذا يتحول الفقر من حالة اقتصادية إلى بنية اجتماعية تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

لماذا لا يختفي الفقر رغم النمو الاقتصادي؟

من أكثر المفارقات إثارة أن بعض الأقطار العربية حققت معدلات نمو اقتصادي مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك لم تتراجع مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد بالقدر المتوقع. ويفسر علم الاقتصاد التنموي هذه المفارقة بأن النمو الاقتصادي لا يساوي بالضرورة التنمية الإنسانية. فقد ينمو الاقتصاد نتيجة ارتفاع أسعار النفط أو توسع قطاع معين، بينما تبقى ثماره مركزة في فئات محدودة، أو في مناطق بعينها، دون أن تنعكس على الخدمات العامة أو على جودة الحياة. ومن هنا يميز الاقتصاديون بين:

  • النمو (Growth): وهو زيادة حجم الاقتصاد.

  • التنمية (Development): وهي توسيع فرص الإنسان وقدراته. وقد ينمو الاقتصاد دون أن تتوسع قدرات الإنسان. وحين يحدث ذلك، يصبح النمو رقماً في التقارير، لا واقعاً في حياة الناس.

الإنسان… غاية التنمية لا وسيلتها

قدّم الاقتصادي والفيلسوف “أمارتيا سن” واحدة من أكثر الأفكار تأثيراً في الفكر التنموي الحديث، حين أكد أن التنمية لا تعني زيادة الثروة، وإنما توسيع الحريات والقدرات الإنسانية. فالإنسان لا يصبح غنياً لأنه يملك المال فقط، بل لأنه يستطيع أن يتعلم، وأن يعمل، وأن يعيش بصحة جيدة، وأن يشارك في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياته. وبهذا المعنى، يصبح الفقر فقداناً للقدرات أكثر منه فقداناً للنقود. وهذا التحول الفلسفي غيّر طريقة فهم العالم للتنمية، فانتقلت من قياس الإنتاج إلى قياس الإنسان.

الفقر والأمن القومي

لا يقف أثر الفقر عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى الأمن الوطني والقومي. فالمجتمعات التي تعاني من حرمان واسع تصبح أكثر عرضة لعدم الاستقرار السياسي، ولتصاعد الاحتجاجات، والهجرة، والجريمة المنظمة، والتطرف، والعنف. فالإنسان الذي يشعر بأنه محروم من التعليم والعمل والخدمات الأساسية يفقد ثقته بالمؤسسات، ويصبح أكثر قابلية للبحث عن بدائل خارج إطار الدولة. ولهذا لم يعد الأمن القومي في الفكر الحديث يُقاس بعدد الجنود أو الأسلحة فقط، بل أصبح يُقاس أيضاً بقدرة الدولة على تقليص الحرمان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص. فالتنمية أصبحت أحد أهم أدوات الأمن.

الحرمان: أخطر من الفقر

قد يستطيع الإنسان التكيف مع قلة الدخل لفترة من الزمن، لكنه لا يستطيع أن يبني مستقبله إذا حُرم من التعليم، أو من العلاج، أو من المعرفة، أو من الفرصة. ولهذا فإن أخطر ما ينتجه الفقر متعدد الأبعاد ليس الجوع وحده، بل تعطيل الطاقات البشرية. فالطفل الذي يترك المدرسة لا يخسر سنوات تعليم فقط، بل يخسر مستقبلاً كاملاً. والمرأة التي لا تصل إلى الرعاية الصحية لا تخسر صحتها وحدها، بل تتأثر أسرتها كلها. والمجتمع الذي يحرم شبابه من الفرص لا يخسر وظائف، بل يخسر إمكانات نهضته.

نحو رؤية عربية جديدة للتنمية

إن معالجة الفقر متعدد الأبعاد لا تبدأ بزيادة الدخول فقط، بل بإعادة ترتيب أولويات التنمية. فالاستثمار الحقيقي لا يكون في الإسمنت وحده، وإنما في الإنسان. ويقتضي ذلك:

  • تحسين جودة التعليم وربطه بسوق العمل.

  • توسيع التغطية الصحية.

  • ضمان الوصول العادل إلى المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.

  • تقليص الفوارق بين المدن والأرياف.

  • بناء شبكات حماية اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.

  • اعتماد سياسات تنموية توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

خاتمة

إن الفقر متعدد الأبعاد يدعونا إلى إعادة التفكير في معنى “الغنى” نفسه. فالغنى الحقيقي لا يُقاس بحجم الدخل، وإنما باتساع الفرص التي يمتلكها الإنسان ليعيش حياة تليق بكرامته. ولهذا فإن المجتمعات لا تنهض حين تزداد أموالها فقط، بل حين يقل فيها الحرمان، وتتسع فيها الحريات، ويصبح التعليم والصحة والخدمات الأساسية حقوقاً متاحة للجميع لا امتيازات لفئات محدودة. فالتاريخ يثبت أن الثروة تستطيع أن تبني المدن، لكنها وحدها لا تبني الأمم. أما الأمم، فلا يبنيها إلا الإنسان حين تتحرر قدراته من قيود الفقر والحرمان، ويصبح قادراً على أن يكون شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لثماره.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.