تلغراف

صحيفة الهدف

أحمد الرمادي
في بريد أحمد حنين ..
عثمان بشرى، القطار الذي تتعطّل تحت عجلاته الحرب
وأنا كلما أقفل نوافذ الروح
عشان الجتة تاخد راحتا
تدلق بروقك ومضتا
القلب يشرع ضلفتين
والذات تتاوق للهطول
الدقا طار ظارو الحنين
وبعدين معاك

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

في غربة تكبر الآن بين الروح والجسد، أستذكر الأبيات التي نظمها الكائن الخلوي عثمان بشرى، أو الخال كما نحب أن نناديه دائمًا، وتغنّى بها طارق أبو عبيده. كنا جلوسًا وقتها على برش بجاوي بسيط في الباوره على ضفاف البحر الأحمر، طلبنا القهوة، وسرعان ما شرعنا في الحديث عن الأدب والشعر والأساطير، في حضرة مولانا العارف بالله وباللغة أيمن هاشم. نذهب بعيدًا ثم نأتي إلى مكان غير الذي غادرناه، وإذا بخالد محمد نور، وكأنه يقول: ويلكم من عذاب أخبئه لكم في الساندكلاود أيها المرهفون، ويفتح علينا مشغّل الموسيقى، والعود التي شحتف أرواحنا سلفًا في الكتاب. يعيد الكرة لدقيقة كاملة لنعرف أي أغنية هذه التي لم نسمعها من قبل، وإذا بطارق أبو عبيده، بالتي هي أحسن، وعلى مرأى من الجميع، والعذوبة تندلق عبره لتحلّي مساءنا البورسودانيّ المالح، ولو لدقائق معدودات.
وأنا لسه مارق من الخوف قبل حين
تجي نشمي وييين
تجي تمشي جوّاي شارعيين
بعدين معاك
أنا بعثرت ذاتي الدروب
في غربة الوطن الحزين
تجي نمشي وين
كنت فظًا حينها يا صديقي وأنا أضحك على صدق تفاعلنا،
كنت فظًا لأني بين هذه الخسارات التي لا تنتهي..
لطالما كنت غريبًا يا صاح، حتى على المدن التي ما زالت تدندن بصوتك الفاتر ليلًا، حين يغط عمالها في النوم، ويتفرّغ الصبية في اتجاهاتهم الفوضوية، يبحرون في شواطئ ديم سواكن، ويقصدون في العشاء براحات بعيدة في فِلِب..
وعندما كنا نرتاد الكوخ في ديم عرب، ويخرج بنا صبّروب في سياحة من نوع آخر، كنت غريبًا أيضًا، ووحدك المشتبه في جميع الأغنيات، لكنك تحاول وتحاول أن لا تبدو هاربًا، تحاول أن تغني بدلًا عن السير وحيدًا، تغنّي لتنمو لك بدل الساق أجنحة، أيتها النحيف..
أجدني وحيدًا في بلاد لا تحب الغرباء، أتلفّت، ربما ألمح قميصك الأسود من بعيد، أو تلك الابتسامة. نعم، أفتقدك يا عزيزي، وأحاول جاهدًا ترتيب المساء كما كنا نفعل في الأرصفة حين يغمرنا التعب. الناس هنا لا يعرفون ياسر إبراهيم ولا عادل مسلم، لم يشاهدوا قط ما يفعله حيدر بورتسودان بالشعر، بالموسيقى، وبالأغنيات.
دائمًا ما يقضون حاجاتهم واقفين، لم يفتك شيء يا حبيبي في الألف عام التي لم تذرني فيها وحيدًا، سوى ربع ساعة فقط بمعيّة الهادي الجبل، وأنا أتمشى وحيدًا في شوارع لا أعرفها، أواسي روحي بالغابرات من المشاوير والمسرات، حين كانت يداك على كتفي بغبار أحلامها، وصوتك الفنان دائمًا يردّد:
وتجيني من جوف الحياة
بعزمة آهات اليقين
تجي نمشي وين
ومن وين تلمّني كان أحوق
تويان مفتول الحنين
تجي تمشي وين
وأنا القابع الآن في بلاد ما وراء كل الخراب،
أسائل روحي: كيف لا، وطارق أبو عبيدة، من البلاد التي تموت حيتانها من البرد، يدفئ غربة ذواتنا المدفونة في كل شبر من بلادنا التي في الكتاب..
وعثمان بشرى يا حنين، عثمان الذي حصّن البلاد بالأغنيات، وبالحنين المحرّض دائمًا إلى كل بيت، ودفء يعشعش إلى ما لا نهاية في حضن الصحاب، وأينك..
أينك الآن من سؤال الحبيبات؟ هااا
ومن قهوة منسية، ومن كل القهقهات التي تستميت ساخرة
من اختلال الوجود بالشائعات
وبعدين معاك
أنا روحي شاخت وأجدبت
وخيل الصهيل في الروح كبّت
والحس من الغربة انكبت
هكذا يا صديقي، منذ ألف عام، وللآن ما زلت أمشي في شوارع غير تلك، ويداي على جيبي، في انتظار أن أسمع، ولو من باب الخيال، صوتك الفنان يربّت برهافته على القلب:
تجي نمشي ووين..
لك قبل كل شيء، وأكثر،
ولعثمان بشرى، القطار الذي تتعطل تحت عجلاته الحرب،
ولطارق الفنان، عسى أن تواسي أغنياته جراح البلاد،
ولقلبي على كل حال..
قلبي الذي لولا الأصدقاء لمات في السجون.

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #أحمد_الرمادي #عثمان_بشرى #طارق_أبو_عبيدة #بورتسودان #أدب_سوداني #شعر #حنين #ثقافة #غربة #Sudan #Literature #Poetry #Culture #PortSudan

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.