حسن الجزولي
في عودةٍ لي إلى بعضِ ما أحتفظُ به من مقدّماتٍ لبعضِ المقالاتِ التي تجدني أجتهدُ في جمعِ موادِّها على أن أعودَ إليها لاحقًا، انتبهتُ لمشروعِ مقالٍ لم أعدْ لإكماله، على الرغم من جمعي لإفاداتٍ متنوعةٍ عنه، وهو يتعلّقُ بأغنيةِ (الحزن القديم) التي كتبها الصديقُ الشاعرُ عمر الطيب الدوش “عليه الرحمة”؛ حيث كنتُ معجبًا جدًا بمقاطعِها الشعرية، والتي وصفها الفنانُ القامةُ وردي، ضمن حوارٍ صحفي أجريتُه معه، بأنها تُعدُّ من القصائد الفلسفية، بل عدَّ الدوشَ نفسه بأنه كان يملك مشروعًا شعريًا فلسفيًا!
وفي إحدى القراءات التي تمّت لـ(الحزن القديم) جرت الإشارةُ إلى أن “الواو الاستهلالية ليست واو العطف ولا القسم، التي تسبق النفي، الذي يؤكد الإثبات، وهذا لم يتطرق إليه شاعرٌ غنائي في السودان قبل عمر الدوش، ولا أتى بعده، وإلى الآن، شاعرٌ آخر. فالنفي هنا كله إثباتٌ مؤكد؛ فالحزن القديم هي، ولون الفرح هي، والشوق الذي مشى به ثم غلبه الوقوف هو شوقه لها، والتذكار هي”!. وهنا تكمن قيمةُ هذه الأغنية.
وأما في أمرِ كيفيةِ كتابةِ القصيدةِ نفسها، فهو ما اعتنيتُ به خلال احتفاظي بعددٍ من الإفادات، والتي عندما عدتُ إليها وجدتها كافيةً لوحدها حتى تكون في شكل مقالٍ مكتمل الأركان، ويفيد في الكيفية التي تم بها حفظُ هذه القصيدة من الاندثار والضياع، حتى استطاع شاعرُها إكمال قوافيها واحدةً تلو الأخرى!. وفي أمر كتابتها، فقد مرَّت بعدة مراحل، حيث لم يكتبها دفعةً واحدة؛ وبالطبع تختلف أساليبُ تأليفِ القصيدة من شاعرٍ لآخر.
ويجدرُ بي في هذا الخصوص ذكرُ تجربةِ الشاعر الحبيب محجوب شريف في كيفية نظمِ أشعاره خلال معاصرتي له وقربي منه، حيث لم يتعوّد محجوب على كتابة القصيدة على الورق مطلقًا، بل اعتاد أن يُهوِّم بإلهامه الشعري وهو ينظم مقاطع قصيدته شطرًا شطرًا، ويحيل ما اكتمل من “شخبطة” لتحفظه ذاكرته المتقدة!، هكذا دون حاجةٍ لورقٍ أو أقلام، لا مدادًا ولا طاولةً ولا مقعدًا مريحًا؛ فقط سهوٌ لبرهة، أو في غالب الأحيان سيرًا على الأقدام، كان ذلك وسط جماعة أو لوحده بين الأزقة والشوارع والحارات، وفي غالب الأحيان وسط الزحمة بين الناس داخل الأسواق الشعبية!. هكذا تتخلق القصيدة عند محجوب شريف!، وهو خلافًا لما سنرويه عن صديقه عمر الدوش!.
يفيدني صديقنا الراحل مدني علي مدني بأن الدوش زاره مرةً بمنزله في حلّة حمد، والذي كان يقع غرب بلدية بحري وعلى الشارع المؤدي لكنيسة مار جرجس، حيث كان يسكن لوحده هناك، فمكث معه عمر لبضعة أيام، وفي مرة لاحظ مدني ـ وكانا ينامان في حوش المنزل حيث الوقت صيفًا ـ أن الدوش كان يصحو فجأةً من نومه و”يشخبط” بعود ثقاب على الأرض، معتمدًا على ضوء القمر الكاشف!، ثم يعود لمواصلة نومه، ثم لا يلبث أن يصحو مرةً ثانية ليلتقط عود الثقاب ويعاود “الشخبطة” على الأرض، ولأن مدني قد لازم الدوش طويلًا كصديق، فإنه أصبح ملمًا بعاداته حينما يغشاه قلق الشعر، خاصة عندما يداهمه في هذا الوقت المتأخر من الليل!، ولذا فقد نهض باكرًا في صبيحة اليوم التالي ليسجل من الأرض على ورقة ما كان الدوش قد “شخبطه” في الليلة السابقة، ليسلمها للدوش فيما بعد.
وقد تكرر الأمر أيضًا في الليلة التالية، موضحًا لي بأن تلك “الشخبطة” لم تكن سوى أبيات شعرٍ كان الدوش يخطها على الأرض، وقد اتضح لمدني فيما بعد أنها مقدمة لمقاطع قصيدته (الحزن القديم)، ولكنها ليست مكتملة!. وقال إن الأمر قد تكرر عندما اصطحبه الدوش في مساء أحد الأيام التالية لزيارة صديقه الدرامي الطيب مهدي، وانتقلوا جميعًا بعربة الطيب التي كان يسميها (العزيزة) لقضاء بقية السهرة في ملهى (الكريزي هورس) الشهير، منتصف سبعينيات القرن الماضي!، وهناك بدأ الدوش يكتب شيئًا على ورقة علبة سجائر، يوضح لي مدني بأنه: “عندما قرّرنا المغادرة لاحظت أن الدوش ترك القصاصة التي كان يكتب عليها على الطاولة، فحرصت على أخذها معي وحفظها في جيب بنطالي، وفي الصباح عندما قرأتها، وجدتها مقاطع شعرية أخرى، وكأنها امتداد لمقاطعه في الليالي السابقة على أرضية حوش منزلنا بحلّة حمد”!.
وهكذا يبدو أن إلهام (الحزن القديم) لم يداهم الشاعر في تلك الأوقات فحسب، بل إن هناك واقعةً إضافيةً، حيث حكى لي شقيقي كمال الجزولي “عليه الرحمة”، حول واقعة تتعلّق بنص القصيدة في بداية سبعينيات القرن الماضي؛ إذ ساهر هو والدوش وبعض الأصدقاء، وعندما تم إحضار العشاء، وكان عبارة عن كميةٍ من السمك المقلي موضوعًا على ورقٍ أبيض كبير، انشغل الدوش “بشخبطة” على الورق الأبيض أمامه، ولم يحفل بالتنبيه للأكل. وفي صبيحة اليوم التالي، وبينما كان كمال ينظف المكان، لفتت نظره “شخبطة” الدوش على طرفٍ من اللفافة، ففردها ليقرأ: (ولا الحزن القديم إنتِ، ولا لون الفرح إنتِ). والشاهد أن الشاعر الدوش، عندما كان إلهام الشعر يداهمه، كان يلجأ للتسجيل على أي شيء أمامه، وبعد أن يفرغ، لا يحفل بما كتب، فيتركه ويذهب لحال سبيله!.
هذا ما أشار إليه أيضًا صديقنا الشاعر يحيى فضل الله في إحدى حكاياته، قال إنهما كانا عائدين في الهزيع الأخير من الليل، وعندما بلغا ناصية سوق الموردة، عَرجا إلى نهر النيل عند (اللسان)، وجلس الدوش فجأةً على الأرض وبدأ “الشخبطة” عليها، بينما وقف يحيى خلفه يتابع تلك الكتابة، وأخرج قلمًا وبدأ يسجل مقاطع تلك القصيدة ـ والتي عُرفت لاحقًا باسم (سحابات الهموم) ـ على طرف مجلة كان يحملها؛ ولولا سرعته لفات عليه ما يكتبه الدوش، لأن الأخير كان يكتب بسرعةٍ عجيبة ويمحو مباشرةً ما خطه إصبعه ليكتب المقطع الذي يليه!.
وبشأن هذه القصيدة، فإن هناك حكايةً طريفةً رواها الدرامي الرشيد أحمد عيسى عن الممثلة سعاد محمد الحسن، زوجة الدوش، مفادها أن الدوش عاد يومًا للمنزل ليجد طفلةً تدعى (منى) في انتظار زوجته لتعمل في تنظيف المنزل بأجرٍ يسد رمق إخوتها. نظر إليها الدوش وابتسم، وصنع لها “تلفون علب الصلصة” وبدأ يداعب طفولتها المنسية ويسألها عبر الخيط: “آلو منى إزيك، أنا الدوش، إنتي منو؟”. فضحكت منى ضحكة الفرح المغتصب. وهكذا كان الدوش يعبر عن الوطن: “بتطلعي إنتي من صوت طفلة وسط اللمة منسية بتطلعي إنتي من صوت طفلة وسط اللمة منسية”!
وعندما عادت سعاد من عملها، أقسم لها الدوش بألا عمل لهذه الطفلة في المنزل!، بل قرّر أن تبقى معهم، وسيدفع لها الأجرة المتفق عليها مع الأم حتى تنتظم في الدراسة!. هذا هو الشاعر عمر الطيب الدوش، الضعيف حدًا لا يُتصور أمام الطفولة وبراءتها.
في قاعة الصداقة بالخرطوم، منتصف العام 1978م، غنى الفنان محمد وردي ولأول مرة أغنيته الجديدة (ولا الحزن القديم إنتِ)، بمقدمةٍ حيا فيها شاعرها “المغترب” وقتذاك عمر الطيب الدوش. وفي شأن لحن الأغنية، أكد الموسيقار د.كمال يوسف أنها تصلح أنموذجًا للتجديد في الموسيقى السودانية الحديثة، مشيرًا إلى التوظيف المبتكر لآلة “البيز جيتار” في الجملة الافتتاحية، ما عكس فكرًا موسيقيًا مستقلاً لوردي وقدرةً فائقة على الابتكار.
للصديقين الراحلين الدوش ووردي، الرحمة والخلود.
#السودان #عمر_الطيب_الدوش #محمد_وردي #الحزن_القديم #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #شعر_سوداني #ثقافة #أدب #توثيق #إبداع #فن_سوداني #الخرطوم #Sudan #Poetry #Music #Culture #Literature #حسن_الجزولي

Leave a Reply