هل المثقّف صنيعة المجتمع أم العكس؟

صحيفة الهدف

زكريا نمر

السؤال حول ما إذا كان المثقّف صنيعة المجتمع أم أن المجتمع هو صنيعة المثقّف، ليس سؤالًا نظريًا بريئًا، بل هو سؤال يكشف عن عمق الأزمة في فهمنا لدور الفكر في المجال العام. في السياقات العربية والإفريقية، على وجه الخصوص، غالبًا ما يتم التعامل مع المثقّف إما بوصفه كائنًا معزولًا يعيش خارج الزمن الاجتماعي، أو بوصفه مجرد صدى لما يريده الجمهور والسلطة. وكلا التصورين، في جوهرهما، اختزالٌ مُخلّ.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

في التحليل الأولي، لا يمكن إنكار أن المثقّف هو نتاج بيئته؛ فاللغة التي يفكّر بها، والقضايا التي تشغله، وحتى أدواته المعرفية، كلها تتشكّل داخل بنية اجتماعية وثقافية محدّدة. المثقّف الذي ينشأ في مجتمع مأزوم سياسيًا أو اقتصاديًا، غالبًا ما يحمل هذا المأزق في وعيه، إما عبر نقده أو عبر استبطانه. بهذا المعنى، المجتمع لا ينتج المثقّف فقط، بل يحدّد أيضًا سقف حركته وإمكاناته. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “حدود الممكن الثقافي”، حيث لا يستطيع المثقّف تجاوز شروط إنتاجه بسهولة.

لكن هذه الرؤية، رغم واقعيتها، تصبح خطيرة عندما تتحوّل إلى تبرير لعجز المثقّف. فالمثقّف، في تعريفه الجوهري، ليس مجرد نتاج سلبي، بل هو فاعل معرفي يمتلك القدرة على إعادة تأويل الواقع وتفكيكه. وإذا كان المجتمع ينتج شروط التفكير، فإن المثقّف الحقيقي يعيد إنتاج هذه الشروط بشكل نقدي. هنا نخرج من دائرة “الصنيعة” إلى دائرة “الفاعلية”.

الإشكالية في كثير من مجتمعاتنا ليست في أن المثقّف صنيعة المجتمع، بل في أن المثقّف يقبل أن يبقى كذلك؛ إذ يتحول إلى موظف لدى المزاج العام، أو لدى السلطة، أو لدى أيديولوجيا جاهزة. في هذه الحالة، لا يعود مثقّفًا بالمعنى العميق، بل يصبح مكررًا للوعي السائد. وهنا يحدث الانقلاب: المجتمع لا يتغير، لأن من يفترض أن يهز بنيته أصبح جزءًا من آلية تثبيتها.

هناك لحظات تاريخية يصبح فيها المثقّف قوة دافعة لتغيير المجتمع، ليس لأنه يملك سلطة مادية، بل لأنه يمتلك سلطة رمزية: القدرة على إعادة تعريف ما هو طبيعي، وما هو مقبول، وما هو ممكن. هذه القدرة هي التي تجعل المثقّف، في لحظات معينة، يتقدّم على مجتمعه، لا بوصفه متعاليًا عليه، بل بوصفه مستشرفًا لأفق لم يتبلور بعد.

غير أن هذا الدور لا يخلو من ثمن؛ فالمثقّف الذي يحاول تجاوز شروط مجتمعه غالبًا ما يُتَّهم بالانفصال أو الخيانة أو النخبوية. وهنا يظهر التوتر البنيوي بين المثقّف والمجتمع: علاقة ليست انسجامًا كاملًا ولا قطيعة تامة، بل صراع مستمر على المعنى. المجتمع يريد من المثقّف أن يؤكد هويته، بينما يسعى المثقّف الحقيقي إلى مساءلة هذه الهوية.

إن القول بأن المجتمع يصنع المثقّف هو نصف الحقيقة، والقول بأن المثقّف يصنع المجتمع هو نصفها الآخر. أما الحقيقة الأدق فهي أن العلاقة بينهما جدلية؛ كل منهما يعيد تشكيل الآخر باستمرار. لكن الفارق الحاسم يكمن في الإرادة: فالمجتمع، بوصفه بنية، يميل إلى الاستقرار، بينما المثقّف، بوصفه وعيًا نقديًا، يفترض أن يميل إلى القلق والتغيير.

المأزق الحقيقي يظهر عندما يفقد المثقّف هذه الوظيفة القلقة، ويستبدلها بوظيفة تبريرية. حينها لا يعود السؤال “من يصنع من؟” مهمًا، لأن الطرفين يصبحان محكومين بدائرة مغلقة من إعادة إنتاج التخلف: المجتمع يعيد إنتاج مثقّفين بلا أثر، وهؤلاء المثقّفون يعيدون إنتاج مجتمع بلا أفق.

الحل لا يكمن في تمجيد المثقّف ولا في تحميله كل المسؤولية، بل في إعادة تعريف دوره. فالمثقّف ليس مخلّصًا ولا نبيًا، لكنه أيضًا ليس مجرد انعكاس. إنه وسيط نقدي بين الواقع وإمكاناته. قيمته لا تُقاس بمدى انسجامه مع المجتمع، بل بقدرته على فتح مساحات جديدة للتفكير داخله.

السؤال الأدقّ، إذن، ليس: هل المثقّف صنيعة المجتمع أم العكس؟ بل: أيُّ نوع من المثقّفين نريد، وأيُّ نوع من المجتمعات نسمح لهؤلاء المثقّفين أن يشكّلوها؟ هنا فقط يتحوّل النقاش من جدل نظري إلى مشروع عملي.

  • كاتب من جنوب السودان

#السودان #جنوب_السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #ثقافة #فكر #المثقف #المجتمع #زكريا_نمر #نقد #فلسفة #إفريقيا #توعية #Sudan #SouthSudan #Culture #Intellectual #Society

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.