د.أحمد قايد الصايدي
أهديتُ وحدةَ أُمَّتي أشعاري ** وعزفتُ من ولَهٍ بها أوتاري
وعشقتُ دفءَ رمالِها وجبالِها ** ورياضَها وسحائبَ الأمطارِ
وحقولَها الخضراءَ تزهو بهجةً ** بسنابلٍ تُسبي وماءٍ جارٍ
ورحلتُ في أرجائها من أبينَ ** حتى الخليجِ وبحرِه الزخّارِ
وحضنتُ بغدادَ الرشيدِ ونهرَها ** ومضيتُ أهدي جُلَّقًا (1) أزهاري
ومررتُ في عمّانَ في أُردنِّها ** وقضيتُ في لبنانَ بعضَ نهاري
وشخصتُ نحو القدسِ شوقًا زائرًا ** مسرى الرسولِ وقبلةَ الزوّارِ
وخصّصتُ غزّةَ بالوقوفِ تحيّةً ** للصامدين على خطوطِ النارِ
وإلى الكنانةِ قاصدًا أهرامَها ** ومتابعًا سفري إلى سِنّارِ
وسريتُ غربًا نحو برقةَ سائرًا ** في دربِ عُقبةَ فاتحِ الأمصارِ
حتى أتيتُ القيروانَ وبعدَها ** وهرانَ حيثُ معاقلُ الثوّارِ
والمغربُ الأقصى لثمتُ قبابَه ** وشهدتُ موجَ الأطلسِ الهدّارِ
وجنحتُ مشتاقًا إلى جيرانِه ** من نسلِ قحطانَ ونسلِ نزارِ
لأزور مثوى الحضرميِّ (2) إمامِهم ** في أرضِ شنقيطَ وأرضِ أطارِ (3)
بلدٌ إذا ما طفتَ في أنحائِها ** أحسستَ أنّك في ربوعِ ذمارِ (4)
في كلِّ وجهٍ سحنةٌ يمنيّةٌ ** هذا عسيريٌّ وذاك شِحاري
شاهدتُ في كلِّ البقاعِ عشائري ** لغتي وعاداتي وطيبةَ جاري
طوّفتُ في أرضِ العروبةِ كلِّها ** ونقشتُ في أحجارِها أسفاري
أحببتُ كلَّ ربوعِها وعشقتُها ** لا فرقَ عندي، كلُّها أقطاري
الشعبُ شعبي لا أفرّقُ بينه ** والأرضُ أرضي والديارُ دياري
ورجعتُ شرقًا كي أتمَّ فريضةً ** فُرضتْ من المولى العزيزِ الباري
ومكثتُ في البيتِ العتيقِ هُنيهةً ** ثم اتخذتُ إلى الجنوبِ مساري
أرضَ السعيدةِ حيثُ أصلُ أرومتي ** فيها معاقلُ عزّتي وفخاري
فيها كتبتُ الخطَّ حرفًا مسندًا ** خلّدتُ فيه على المدى آثاري
في الجنتين بنيتُ مجدًا شامخًا ** وتوسّعتُ وتباعدتْ أسفاري
حتى بلغتُ مطالعَ الشمسِ وقد ** شعّت ضياءً دونما أستارِ
ومددتُ ملكي لم يعقني عائقٌ ** حتى أقمتُ على المحيطِ فناري
ثم انكفأتُ، ومحنتي مشهودةٌ ** وجعٌ يكادُ يميتني وأُداري
ضعفتْ وهانت أُمّتي وتشرذمتْ ** لم يُحسنِ الأبناءُ صونَ ذِماري
عظمتْ مصائبُ من تفرّق جمعُه ** تعدو عليه زواحفٌ وضواري
لن تدرأَ الأعداءَ إلّا وحدةٌ ** نقوى بها وبجيشِها الجرّارِ
مسنودةٌ بعقولِنا وعلومِنا ** وفنونِنا وبنهجِنا المختارِ
ما ذلَّ قومٌ وحّدوا أقطارَهم ** ومضوا بعزمِ القائدِ السِّنوارِ
حُلْمي أرى علمَ العروبةِ واحدًا ** يعلو الرؤوسَ مكلّلًا بشعاري
الهومش:
• (جُلَّق): اسمٌ قديمٌ يُطلق على دمشق، ويُقال إنّها في الأصل منطقةٌ كانت تقع خارج أسوارها القديمة.
• أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي الشنقيطي (نسبةً إلى مدينة شنقيط الموريتانية)، المعروف بقاضي الصحراء؛ إمامُ زمانه، كما يُقال، في المعقول والمنقول. كان ذا ثقافةٍ واسعةٍ، فقيهًا أصوليًّا، متكلّمًا، أديبًا، شاعرًا، له العديد من المؤلفات الفقهية واللغوية والسياسية، منها: (الإشارة في تدبير الإمارة)، و(التحبير في الأصول)، و(الأرجوزة الكبرى)، و(الأرجوزة الصغرى في الاعتقاد).
• مدينتان في موريتانيا.
• لا يقتصر الأمر على مجرد الإحساس، بل يُصادف المرء في بلدان المغرب العربي بعضَ مفرداتٍ من اللهجات اليمنية الدارجة.
* شاعر ومؤرخ وأكاديمي من اليمن

Leave a Reply