مجدي علي
صِدقُ الشاعرِ عصامِ عيسى رجب حين وصفَ حياةَ الشاعرِ محمدِ مفتاحِ الفيتوري بأنّها لم تكن سيرةً عاديةً، “كانتْ من بَدْئِها إلى خاتِمتِها قصيدةً طويلةً، قصيدةً بكلِّ ما للقصيدةِ من هدوءٍ وصخبٍ، ورِقَّةٍ وشراسةٍ، وثوريةٍ وصوفيةٍ. وما رحيله هكذا وحيدًا كالسيفِ، غريبًا وطالما تقاسمته بلادٌ ومدنٌ عربيةٌ شتّى، إلا تجسيدٌ أخيرٌ لهكذا قصيدةٍ”.
هذا توصيفٌ عميقٌ يضعُنا مباشرة أمام فكرة العلاقة بين “الشخصية” و”الشاعرية” عند الفيتوري، حيث لا تنفصل سيرته عن نصّه، ولا نصّه عن تكوينه الإنساني العميق. غير أنّ هذا التلازم بين الشعر والحياة الشخصية لا يمكن فهمه بوصفه تطابقًا بسيطًا بين شاعر ونصوصه، بل بوصفه حالة فلسفية تتعلّق بكيفية تشكّل الذات داخل التجربة الشعرية. فالشعر هنا ليس “تعبيرًا” عن حياة جاهزة، بل طريقة وجود. لا شيء يسبق القصيدة، ولا شيء يكتمل خارجها.
بمعنى أدقّ، لا توجد “شخصية سابقة” للشعر، بل شخصية تتكوّن داخله باستمرار. وهذا ما يجعل الفيتوري حالة استثنائية: فهو لا يكتب من موقع ذات مستقرّة، بل من داخل ذات تتبدّل وهي تُكتب. لكن الأرجح أنه يمكن قراءة تجربته من زاوية “الذات المتحوّلة”، حيث لا تكون الهوية جوهرًا ثابتًا، بل حركة لا تهدأ. حياته بين السودان ومصر وليبيا والمغرب لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل تفكيك دائم لفكرة “المركز”. كل مكان منحه ملامح مؤقتة، ثم سحبها، وأعاده إلى السؤال.. هنا تتأسّس شاعريته: في المسافة، لا في الاستقرار.
اللغة عند الفيتوري ليست وسيطًا، بل ساحة مواجهة. فهو يكتب داخل العربية، لكنه يضغط عليها، يوسّعها، ويفتح فيها شقوقًا لتدخل أصوات أُقصيت طويلًا: الصوت الإفريقي، التجربة السوداء، والجسد المهمّش. لهذا، لا تُنتج قصيدته جمالًا فقط، بل تُعيد ترتيب الوعي. هذا هو جوهرها. “الشخصية الفيتورية” ليست بنية مكتملة، بل وجود معلّق على حافة المعنى؛ تتشكّل عبر ثنائيات لا تلغي بعضها: السواد والبياض، الزنوجة والعروبة، الحضور والغياب، التصوف والثورة.. ليست تناقضات، بل مصادر طاقة.
ومن هذا الاحتكاك الداخلي تتولّد القصيدة، لا كحل، بل كاستمرار في السؤال. حتى الإلقاء عنده لم يكن أداء لنص منتهٍ، بل خلق جديد له. الصوت جزء من المعنى، والقصيدة لا تعيش على الورق وحده. وفي عمق هذه التجربة، تتداخل السيرة مع الرمز. تنقّلاته، علاقاته، “زواجاته” وتجاربه الإنسانية، لا تُقرأ كوقائع منفصلة، بل كإشارات إلى رفض داخلي لفكرة الاكتمال. كأن حياته لم تكن تبحث عن إجابة، بل عن شكل يظل مفتوحًا.
ومع هذا الاتساع في الانتماءات، يبرز السؤال الأكثر قسوة: سؤال الوفاء. فقد حمل الفيتوري أوطانًا ومجتمعات متعدّدة، وترك أثرًا في أكثر من فضاء، لكنه لم ينل دائمًا ما يوازي ذلك من الاعتراف الحياتي والمؤسسي.. حياته لم تُنصفه بما يكفي، لكن شعره فعل. كان الشعر أداته الوحيدة لعبور هذه العوالم، بل مفتاحها. كأنه لم يسافر بالجسد فقط، بل باللغة، كوردة تحمل صاحبها من مكان إلى آخر، ثم تعيده إليه. وفي أعماله المتأخرة، مثل (عريانًا يرقص في الشمس)، تتجلّى هذه الرؤية.. تلك الرغبة في العودة إلى أصله الكوني، حيث يتحوّل الإنسان إلى كائن أولي يولد من الضوء والأسطورة، بلا قيود. هنا لا يصف العالم، بل يعيد خلقه.
لهذا، لا تبدو تجربة الفيتوري محطة عادية في تاريخ الشعر، بل اختبارًا للقارئ نفسه. من لم يقرأ الفيتوري، لم يقترب من الشعر في لحظة صدقه القصوى، حين يتخلّى عن زخرفته ليصير سؤالًا عن الإنسان. ومن لم يقرأ محمد مفتاح الفيتوري، فاته من الشعر أعذبه، ذلك الذي لا يُقال بهدوء، بل يُنتزع من عمق التجربة. أما من لم يُصادِق هذا الصوت، ولم ينفتح على قلقه وتوتّره، فقد بقي خارج منطقة الشعر الحي، حيث القصيدة ليست نصًا يُقرأ، بل تجربة تُعاش.
كل محاولة لختام سيرة الفيتوري تبدو كأنها إعادة فتح لها من جديد؛ فكل ما يُقال عنه لا يُغلق المعنى بل يعيده إلى بدايته.. وها نحن كأننا نعود إلى البداية لنفهمها على نحو أعمق، مثلما يقول عصام عيسى رجب: “اختَلَفَ الناس حول مواقف الفيتوري، ويختلفون. ولكنهم يتفقون على قصيدته. ومن فاته أن يراه يقرأ شعره، فقد فاته الكثير من شاعريته، فالرجل كان يقرأ قصائده بمزيج مدهش من الرهافة والعنف. يقرأ قصائده، وكأنه يكتبها لحظة إلقائها.. كان أيقونة الشعر السوداني الذي لا يعرف الآخرون عنه إلا قليلًا”. هذا ختام يُعيد فتح سيرة الفيتوري على معنى آخر للسيرة.. حين تتحوّل الحياة إلى سؤال شعري لا يهدأ.. وحين يبلغ الشعر هذا الحد، لا يبقى الفيتوري إلا قليلًا في التاريخ، بل يحضر ليعلّمنا طريقةً لفهم الشعر، وفهم الإنسان وهو يتكوَّن..
#محمد_مفتاح_الفيتوري #الهدف_الثقافي #مجدي_علي #شعر #أدب #السودان #أفريقيا #نقد_أدبي #قصيدة #الوعي_العربي #حرية_سلام_عدالة #أمة_عربية_واحدة #البعث_باقي #ثقافة #فلسفة_الشعر

Leave a Reply