خبز المطابع

صحيفة الهدف

أبية الريح تصدر (ثلاثيات الذاكرة).. شعر مكثّف يشتغل على الوجود والذاكرة

ندى أوشي

صدرت عن دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة المجموعة الشعرية (ثلاثيات الذاكرة) للشاعرة أبية الريح، في عمل يقدّم تجربة شعرية مكثفة تقوم على تقنية الومضة، حيث تتكثف اللغة إلى حدّ يجعل النص أقرب إلى شذرات تأملية مشحونة بالدلالة والاختزال. وتعتمد المجموعة على بناء لغوي قائم على المفارقة والتضاد، إذ تتجاور صور الخراب والجمال في نسق شعري واحد، فتتحوّل المفردات إلى أدوات كشف لطبقات نفسية ووجودية عميقة. وتبرز في النصوص استعارات لافتة مثل تحويل الجمال إلى “ستر أخلاقي للخراب”، والضحكة إلى “رغيف مبلّل تقتات عليه الريح”، بما يعكس رؤية شعرية تقوم على تفكيك المعنى المستقر وإعادة إنتاجه داخل سياق سريالي. كما تنفتح المجموعة على تأمّل فلسفي في مفهوم الذاكرة، التي تقدمها الشاعرة بوصفها فضاءً ملتبسًا بين الحفظ والتمزق، وبين الحضور والغياب، لتبدو أحيانًا قوة قاسية تُشبه “المقصلة” وأحيانًا أخرى كيانًا مفترسًا يعيد تشكيل التجربة الإنسانية من الداخل. وفي هذا السياق، يتأرجح الصوت الشعري بين الرغبة في التلاشي حين يغيب الفهم، وبين العودة المتكررة كـ”مطر على الروح وحدها”، في تعبير عن هشاشة الذات أمام زمن متحوّل. وتُظهر (ثلاثيات الذاكرة) اشتغالًا واضحًا على اقتصاد اللغة وتكثيف الصورة، بما يضع القارئ أمام نصوص قصيرة من حيث البنية، عميقة من حيث الامتداد الدلالي، وتستدعي قراءة تأملية تتجاوز المعنى المباشر إلى طبقات التلقي الباطني. أبية الريح شاعرة تكتب في حقل الشعر المكثّف القائم على الومضة والاختزال، وتتميّز نصوصها بالاشتغال على ثيمات الذاكرة والوجود والتجربة النفسية الداخلية. تميل في كتاباتها إلى اللغة الرمزية والصور المفارِقة التي تعيد تشكيل الواقع عبر رؤية تأملية تمزج بين الحس الفلسفي والبناء الشعري التجريبي، وقد برز اسمها ضمن الأصوات الشابة التي تتعامل مع الشعر بوصفه مساحة تفكيك للمعنى وإعادة بنائه.


(أغاني إفريقيا) لمحمد الفيتوري: تعريف العلاقة بين الإنسان والتاريخ والهوية

يعتبر ديوان (أغاني إفريقيا) الصادر في العام 1955، وهو أول أعمال محمد الفيتوري الشعرية، ويُعد علامة فارقة في مسار الشعر العربي الحديث، لما يمثّله من انفتاح مبكر على الهمّ الإفريقي بوصفه جزءًا من الوعي الشعري العربي. وقد كُتب هذا الديوان في ذروة حركات التحرّر الإفريقية من الاستعمار، وفي مناخ عالمي كان يشهد تصاعد الخطاب المناهض للعنصرية والاستعمار. في هذا السياق، مزج الفيتوري بين الحسّ القومي العربي والبعد الإفريقي، ليؤسس صوتًا شعريًا يتجاوز الحدود الجغرافية والهويات الضيقة. ينتمي الديوان إلى قصيدة التفعيلة (الشعر الحر)، مع حضور واضح لإيقاعات مستلهمة من الثقافة الإفريقية، إضافة إلى أثر التصوّف السوداني الذي يضفي بعدًا روحيًا على التجربة الشعرية. ويقدّم الفيتوري في (أغاني إفريقيا) صورة مكثفة لمعاناة الإنسان الإفريقي تحت الاستعمار والعنصرية، ويحوّل الألم إلى خطاب مقاومة شعري. ومن أبرز تجليات ذلك قصيدة (جبهة العبد ونعل السيد)، التي تفضح بنية الاستعباد وتدعو إلى التمرد: “تلك مأساة قرون غبرت.. لم أعد أقبلها لم أعد”. كما تتجلى فكرة الزنجية (Negritude) بوصفها وعيًا بالهوية الإفريقية ورفضًا لأي شكل من أشكال الدونية المفروضة تاريخيًا، إلى جانب طرح سؤال الهوية والانتماء بوصفه مجالًا مفتوحًا بين العروبة والإفريقانية، حيث يرى الفيتوري أن السودان يشكّل جسرًا حضاريًا بين العالمين. وتظهر في الديوان أيضًا ملامح واضحة للتصوّف السوداني، المتأثر بالبيئة الدينية والإنشادية، حيث يتحوّل الألم الإنساني إلى تجربة تطهّر روحي، كما في قصائد مثل (معزوفة إلى درويش متجوّل)، حيث يمتزج الوجد الصوفي بالهمّ الوجودي. أما من الناحية الفنية، فتعتمد لغة الديوان على التكثيف والرمزية والإيحاء، مع توظيف مفردات إفريقية مثل (الطبول) و(الأرض) و(النيل) لتعزيز الهوية الثقافية للنص، وبناء صور شعرية تقوم على التناقض بين القهر والتحرّر، وبين الموت والحياة. كما يتميّز الإيقاع بمرونة التفعيلة وانفتاحها على أنماط موسيقية مستوحاة من الطقوس الإفريقية، بما يعكس حركة الثورة في بنية القصيدة. وقد ترك (أغاني إفريقيا) أثرًا سياسيًا وأدبيًا مهمًا، إذ ارتبط بالخطاب المناهض للاستعمار، وأصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية لحركات التحرّر في إفريقيا والعالم العربي، كما أسّس لما يمكن تسميته بـ”شعر التخوم” الذي يدمج العروبة والإفريقانية. وفي المقابل، يثير الديوان عددًا من الأسئلة النقدية، من بينها جدلية العلاقة بين الالتزام السياسي والجمال الفني، ومدى نجاح الفيتوري في تجاوز الصورة النمطية لإفريقيا كقارة معذّبة، مقابل تقديمها أيضًا كفضاء للكرامة والمقاومة وإعادة بناء الذات. وفي المحصلة، لا يُقرأ (أغاني إفريقيا) بوصفه ديوانًا شعريًا فحسب، بل بوصفه بيانًا ثوريًا ونشيدًا إنسانيًا يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتاريخ والهوية، ويؤسس لرؤية شعرية تجعل من الألم طاقة خلق وبصيرة فنية.


تمرد أدبي في فرنسا.. كتّاب ينسحبون من (غراسيه)

يشهد الوسط الثقافي في فرنسا أزمة لافتة بعد إعلان نحو 170 كاتبًا مقاطعة دار النشر العريقة (غراسيه)، احتجاجًا على ما وصفوه بتدخلات سياسية طالت استقلالها التحريري، في خطوة غير مسبوقة داخل قطاع النشر الفرنسي. وجاءت هذه المقاطعة عقب إبعاد المدير التنفيذي للدار أوليفييه نورا، الذي قادها لأكثر من ربع قرن، وهي فترة شهدت خلالها حضورًا لافتًا في المشهد الأدبي، تُوّج بحصد عدد كبير من الجوائز، من بينها جائزة غونكور. وحمّل الكتّاب مسؤولية هذا القرار للملياردير فانسان بولوريه، مالك مجموعة هاشيت التي تتبع لها الدار، معتبرين أن ما جرى يمثل “هجومًا غير مقبول على الاستقلال التحريري”، وفق رسالة مفتوحة وقّعها عدد كبير من الأسماء البارزة في الأدب الفرنسي. في المقابل، ردّ بولوريه بالتقليل من حجم الأزمة، مؤكدًا أن الدار ستواصل نشاطها، وأن انسحاب بعض الكتّاب سيفتح المجال أمام أصوات جديدة. كما انتقد ما اعتبره “نخبة مغلقة” داخل الوسط الثقافي، متهمًا إياها بالهيمنة المتبادلة والدعم الذاتي. وتحوّلت القضية سريعًا إلى جدل أوسع حول طبيعة العلاقة بين المال والإعلام والثقافة، خاصة في ظل توسع نفوذ بولوريه في مؤسسات إعلامية ودور نشر، من بينها كانال بلوس وسي نيوز وإذاعة أوروبا 1، ما أثار مخاوف لدى بعض المثقفين من تأثير التوجهات الأيديولوجية على الخط التحريري. وقد انقسمت الآراء حول هذه التطورات، إذ رأى منتقدون أن ما يحدث يهدد التعددية الثقافية، بينما اعتبر مؤيدون أن إعادة تشكيل المشهد الإعلامي قد تسهم في تحقيق توازن فكري طالما كان مختلًا. وتعيد هذه الأزمة طرح أسئلة قديمة متجددة حول حدود استقلال النشر، ودور رأس المال في توجيه الثقافة، في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في بنية الصناعات الإبداعية.


(تدجين الفكر المتوحش) يعيد طرح أسئلة الأنثروبولوجيا بالعربية

صدر حديثًا عن دار (الحوار للنشر والتوزيع) كتاب (تدجين الفكر المتوحش) لعالم الأنثروبولوجيا البريطاني جاك غودي، بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس، في إصدار يقدّم للقارئ العربي أحد أبرز الأعمال الفكرية التي أعادت النظر في مفاهيم “التقدم” و”البدائية” داخل العلوم الاجتماعية. ويطرح الكتاب منذ بداياته تساؤلًا محوريًا حول طبيعة الاختلاف بين المجتمعات البشرية، مفككًا ما يُعرف بـ”القسمة الكبرى” بين “نحن” و”هم”، وهي الثنائية التي طالما قسّمت العالم إلى مجتمعات متقدمة وأخرى “متوحشة”. ويذهب المؤلف إلى أن هذا التصنيف ليس سوى بناء ذهني تشكّل عبر أدوات الثقافة، أكثر مما يعكس اختلافًا جوهريًا في بنية العقل الإنساني. وفي سياق تحليله، يقدّم غودي أطروحته المركزية التي ترى أن التحول الحقيقي في التفكير البشري لم ينتج عن تغيّر العقل ذاته، بل عن تطور الوسائط، وعلى رأسها الكتابة، التي أتاحت للإنسان إعادة تنظيم المعرفة وتحليلها وتخزينها، ما أسهم في نشوء أنماط جديدة من التفكير المنهجي والتجريدي. كما يوسّع الكتاب النقاش ليشمل التفاعل المعقّد بين التكنولوجيا والبنية الاجتماعية والسلطة والثقافة، رافضًا أي تفسير أحادي لنشأة الفكر، ومؤكدًا أن ما يُسمّى “التفكير البدائي” لا يقل منطقية عن نظيره في المجتمعات الحديثة، بل يختلف عنه في طرائق التعبير والتنظيم. ويأتي هذا الإصدار ليعيد فتح نقاشات مركزية في حقل الأنثروبولوجيا، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقة المعرفة بالأدوات، وبكيفية تشكّل الوعي الإنساني عبر التاريخ، في عمل يجمع بين العمق النظري والأسلوب التحليلي الذي ميّز أعمال غودي.


(الجنون الرقمي).. قراءة نقدية في أثر الانغماس الافتراضي على الصحة النفسية

أكد الطبيب النفسي الأمريكي نيكولاس كارداراس في كتابه الجديد (الجنون الرقمي: كيف تتسبب وسائط التواصل الاجتماعي في تدهور صحتنا العقلية وكيف نستعيد سلامتنا العقلية) أن العالم الرقمي بات عاملًا رئيسيًا في تراجع الصحة النفسية لدى الأفراد، محذرًا من تحوّل الفضاء الافتراضي إلى بيئة تُعيد تشكيل السلوك الإنساني بطرق عميقة وخطيرة. وقال كارداراس إن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيه أو تواصل، بل أصبحت أنظمة مُهندسة بعناية لزيادة التعلّق والإدمان عبر استثارة مراكز المتعة في الدماغ، خصوصًا مادة الدوبامين، مشيرًا إلى أن شركات التكنولوجيا توظف خبراء سلوك بهدف إبقاء المستخدمين أطول وقت ممكن داخل التطبيقات. وأضاف أن الانغماس الرقمي أسهم في انتشار مظاهر القلق والاكتئاب والانعزال وفقدان الأهداف، لافتًا إلى أن هذه التحوّلات تمسّ المجتمع ككل وليس فئة الشباب فقط، وأنها تعكس ما وصفه بـ”أزمة صحة عقلية متفاقمة” ترتبط بالبنية الحالية للاقتصاد الرقمي. كما استند كارداراس إلى معطيات وإفادات تتعلّق بأثر الخوارزميات على المراهقين، مؤكدًا أن بعض المنصات كانت على علم بتأثيراتها السلبية على الصحة النفسية، بما في ذلك رفع معدلات كراهية الذات والانتحار، لكنها استمرت في تطويرها بدافع الربح. وحذّر من ظواهر جديدة مثل “العدوى الاجتماعية الرقمية”، حيث يمكن أن تنتقل بعض الاضطرابات والسلوكيات النفسية عبر المحتوى المتداول على المنصات، إضافة إلى تفشي النزعة النرجسية نتيجة تحويل المستخدمين إلى صانعي صور مثالية عن الذات لا تعكس الواقع. ويطرح الكتاب، في مضمونه، رؤية نقدية للحضارة الرقمية المعاصرة، داعيًا إلى استعادة التوازن بين الحياة الواقعية والافتراضية، وإعادة الاعتبار للمعنى الإنساني خارج الشاشات، باعتبار أن الإنسان لا يمكنه الحفاظ على صحته النفسية في بيئة رقمية غير مضبوطة بالكامل.


دار الريّس تصدر رواية (نُونُ القدر) لمعاذ عبد الرحمن.. سرد يمزج الثورة بالرمز والحب

أعلنت دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة عن صدور رواية (نُونُ القدر) للكاتب معاذ عبد الرحمن، في عمل أدبي يزاوج بين البعد الوطني والوجداني، ويوثّق بأسلوب سردي شاعري مرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث المتمثلة في ثورة ديسمبر. وتدور أحداث الرواية حول شخصية (الغزال) وعلاقته بـ(نسيبة)، التي تتخذ بعدًا رمزيًا يتجاوز الحب الفردي ليعكس صورة الوطن في تحوّلات الألم والأمل، حيث تتداخل التجربة العاطفية مع أسئلة الفداء والتغيير ومصائر الجيل الذي خاض لحظة التحوّل السياسي والاجتماعي. ويعتمد الكاتب في بناء نصه على لغة سردية مكثفة تمزج بين الفصحى والإيحاء الرمزي، مع توظيف دلالات الحروف، خصوصًا “النون” و”الكاف”، بوصفها مفاتيح تأويلية تشير إلى أسرار القدر وتشابك الأحداث داخل العمل. وتقدّم الرواية، وفق دار النشر، رؤية تتجاوز السرد العاطفي التقليدي، لتوثيق تجربة “جيل التغيير” في السودان، عبر تصوير بؤس الواقع من جهة، ومظاهر النضال الإنساني في مواجهة القمع من جهة أخرى، وصولًا إلى إبراز فكرة انتصار الإرادة في مسار الحكاية. وتعد (نُونُ القدر) إضافة جديدة إلى أعمال الرواية السودانية المعاصرة التي تمزج بين التوثيق الرمزي والتحليل الوجداني للواقع السياسي والاجتماعي.

#الهدف #الهدف_الثقافي #خبز_المطابع #محمد_مفتاح_الفيتوري #أبية_الريح #ثقافة #أدب #السودان #القراءة_حياة #حرية_سلام_عدالة #أمة_عربية_واحدة #البعث_باقي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.