7 نيسان:.. من ذاكرة الميلاد إلى سؤال النهضة في زمن الانهيار

صحيفة الهدف

د.جمال الجاك

7 نيسان ليس ذكرى للبكاء، بل صرخة للقيامة:
في السابع من نيسان، لا تمرّ الذكرى مرور العابرين، ولا تُستعاد كطقسٍ احتفاليٍ بارد، بل تعود كجرحٍ مفتوح، كسؤالٍ حارق، وكنداءٍ يتردّد في ضمير الأمّة المنهكة: ماذا تبقّى من الحلم؟ وماذا فعلنا بالميلاد؟
لم يكن ميلاد حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 مجرّد إضافة رقمية إلى سجلّ الأحزاب السياسية، بل كان انفجارًا مدويًا في وعي الأمّة، وتمرّدًا شاملًا على واقعٍ استعماريٍ مهين. كان صرخةً في وجه التجزئة التي قطّعت أوصال الوطن، والتبعية التي صادرت القرار، والجهل الذي كبّل العقول. جاء البعث حاملًا مشروعًا يتجاوز الحدود المصطنعة، مشروعًا يبحث عن “الإنسان العربي الجديد” الذي ينهض من رماد الهزائم ليكتب تاريخه بدمه وعرقه، لا بأقلام القوى الإمبريالية.
البدايات: حين كان الحلم أقوى من الموت
في لحظة الميلاد بدمشق، لم تكن الطريق معبّدة بالرياحين، بل كانت مليئة بالأشواك والزنازين. لم تكن الرايات تُرفع فوق القصور، بل كانت تخفق في قلوب الطلبة والعمال والمثقّفين المشتبكين مع الواقع. كان البعث “فكرةً تقاتل”، وصوتًا يتحدّى الخنوع.
كان السؤال يومها وجوديًا بامتياز: كيف نتحرّر من قيود الاستعمار القديم والجديد؟
كيف نتوحّد لنكسر جدران “سايكس- بيكو” التي جعلت منا شعوبًا وقبائل متناحرة؟
كيف نبني العدالة في أرضٍ نهبها الإقطاع واستنزفها الرأسمال المستغل؟
لم يكن الحلم ساذجًا، بل كان ثوريًا بامتياز، مشبّعًا بإرادة التغيير الجذري. رأى البعث أن الحرّية لا تُمنح كصدقة، بل تُنتزع انتزاعًا، وأن الوحدة ليست مجرد نشيدٍ حماسي، بل معركة مصيرية، وأن الاشتراكية ليست ترفًا فكريًا مستوردًا، بل ضرورة لإنقاذ الإنسان العربي من غياهب الفقر والتهميش.
من الثورة إلى الدولة: الاختبار الصعب والمرّ
حين انتقل البعث من “فكرة الثورة” إلى “أداة السلطة”، دخلت التجربة أخطر مراحلها. لم يعد الحزب صوتًا معارضًا في الشارع، بل أصبح ربّان السفينة وسط أمواجٍ متلاطمة. وهنا لا بدّ من وقفة صريحة مع التاريخ؛ فالوفاء للفكرة يقتضي نقد الممارسة.
على صعيد المنجزات، حقّق البعث تحوّلات بنيوية لا يجحدها إلا مكابر: أمّم الثروات الوطنية، وبنى جيوشًا عقائدية كسرت هيبة العدو في محطات تاريخية، وأطلق ثورة تعليمية وصناعية، وجعل من صوت العربي رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية.
زمن الانهيار: حافة الهاوية وسؤال الوجود
اليوم، ونحن نعيش زمن الانهيار العربي الشامل، حيث تتساقط الدول كأوراق الخريف، وتتفشّى الطائفية كالسرطان، ويصبح القرار الوطني رهينة في عواصم الخارج، يعود سؤال الميلاد ليكون أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى.
إن ما نعيشه من تفتّت مجتمعي وارتهانٍ للأجنبي هو نتيجة طبيعية لغياب “المشروع النهضوي” الذي نادى به البعث. لكن لا يكفي استحضار الماضي بروح النوستالجيا الباكية، ولا التمسّك بالشعارات كأصنام جامدة.
المطلوب اليوم هو “انبعاثٌ ثانٍ”: إعادة قراءة، وإعادة تأسيس، ومراجعة نقدية شجاعة لا تستثني أحدًا.
نحو نهضة جديدة: هل يمكن أن يولد الحلم من الرماد؟
النهضة ليست ذكرى سنوية، بل فعلٌ يومي مستمر. وإذا كان البعث قد وُلد في لحظة تاريخية محدّدة، فإن روحه، روح التمرّد على الظلم والنزوع نحو الوحدة، لا تزال تحمل إمكانية الخلاص، ولكن بشرط امتلاك الشجاعة لإعادة التفكير:
الوحدة: يجب أن تخرج من قوالبها الاندماجية الجامدة، لتصبح مشروعًا تكامليًا يحمي الوجود العربي أمام التكتلات العالمية.
الحرّية: لا بد من ربطها عضويًا بالديمقراطية والتعدّدية، فالمواطن المقهور لا يمكنه بناء وطنٍ قوي.
الاشتراكية: يجب أن تتطوّر لتواكب اقتصاد المعرفة والعدالة الاجتماعية الحديثة، بعيدًا عن البيروقراطية القاتلة.
 السابع من نيسان.. الاختبار الكبير
في ذكرى الميلاد، لا نطلب من الكوادر والمناضلين والجماهير أن يصفّقوا للماضي، بل أن يحملوا “معاول الهدم” لكل ما هو بالٍ، و”أدوات البناء” لكل ما هو جديد.
إن الوفاء الحقيقي لشهداء البعث وتاريخه لا يكون بتقديس الأخطاء، بل بجرأة نقدها. لا يكون بترديد الشعارات، بل بإنتاج وعيٍ جديد يربط الفكرة بالإنسان، وبهمومه اليومية، وبحقّه في الكرامة والحرّية.
البعث، كفكرة، لا يموت؛ لأن جوهره هو “انبعاث الأمّة”. قد تسقط أنظمة، وقد تتلاشى أحزاب، وقد تتبدّل وجوه القيادات، لكن حاجة العرب إلى الوحدة والحرّية والاشتراكية تظل قدرًا لا مفرّ منه.
في زمن الانهيار، لنا خياران:
إما أن نكتفي بالبكاء على الأطلال،
أو أن نجرؤ على إعادة البناء من تحت الركام.
السابع من نيسان ليس مجرد تاريخ في تقويم قديم، بل لحظة اختيار متجددة: إما أن يكون ذكرى لميلادٍ مضى وانقضى، أو أن يكون الشرارة لميلادٍ جديد يبدأ الآن.
عاشت الأمّة… وعاش البعث فكرةً للنهضة لا تنطفئ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.