ماجد الغوث
يُشكّل ميلادُ البعث العربيّ الاشتراكيّ محطةً مفصليّةً في تاريخ الفكر العربيّ المعاصر، إذ ارتبط ظهوره بتحوّلاتٍ عميقةٍ مسّت البنيةَ الاجتماعيّةَ والسياسيّةَ والثقافيّةَ في العالم العربيّ خلال النصف الأوّل من القرن العشرين. ولم يكن هذا الميلاد حدثًا عرضيًّا، بل جاء استجابةً لأزمةٍ تاريخيّةٍ مركّبةٍ تمثّلت في تراجع الكيانات التقليديّة، وصعود الهيمنة الاستعماريّة، وتفاقم أشكال التفاوت الاجتماعيّ، وهو ما جعل سؤال الهويّة والانبعاث ضرورةً ملحّةً داخل الوعي العربيّ الحديث.
تنطلق هذه القراءة من إشكاليّةٍ مركزيّةٍ تتعلّق بكيفيّة تشكّل فكر البعث في سياق أزمة الهويّة العربيّة، وكيف سعى إلى تقديم مشروعٍ نهضويّ يجمع بين البعد القوميّ والبعد الاجتماعيّ، مع إبراز حدود هذا المشروع في ضوء التفاعل بين النظريّة والممارسة. وفي هذا الإطار، يهدف التحليل إلى تفكيك الشروط التاريخيّة والاجتماعيّة التي أحاطت بالنشوء، واستجلاء البنية الفكريّة، ورصد الأثر في تشكيل الوعي الجمعيّ العربيّ، وصولًا إلى تقييم الامتدادات الحضاريّة والسياسيّة والثقافيّة لهذه التجربة.
السياق التاريخيّ وتحوّلات النشأة
وقد جاء ظهور البعث في سياقٍ تاريخيٍّ اتّسم بانهيار السلطنة العثمانيّة، وبروز الكيانات القطريّة تحت النفوذ الاستعماريّ، وما رافق ذلك من تفكّكٍ في البنية الاجتماعيّة التقليديّة، وصعود فئاتٍ جديدةٍ من المتعلّمين وجدت نفسها أمام واقعٍ يتّسم بالتبعيّة والتجزئة. وقد شكّل هذا الواقع حافزًا لبلورة مشروعٍ فكريّ يسعى إلى استعادة الوحدة العربيّة وبناء مجتمعٍ أكثر عدالة.
ويكتسب عام 1947 دلالةً خاصّةً بوصفه لحظةً مفصليّةً شهدت انتقال الفكر القوميّ من طور التبلور النظريّ إلى طور التنظيم السياسيّ، بالتزامن مع تحوّلاتٍ دوليّةٍ كبرى أعقبت نهاية الحرب العالميّة الثانية (1939 – 1945)، حيث أُعيد تشكيل النظام العالميّ، وبرزت حركات التحرّر الوطنيّ، الأمر الذي أتاح بيئةً مناسبةً لظهور مشاريع فكريّة تسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال.
لقد أفرزت تلك المرحلة فراغاتٍ قانونيّةً وسياسيّةً نتيجة انهيار توازناتٍ سابقة وصعود قوى دوليّةٍ جديدة، وهو ما انعكس على المنطقة العربيّة التي وجدت نفسها أمام واقعٍ متغيّرٍ يفرض إعادة التفكير في أشكال التنظيم السياسيّ. وفي هذا السياق، برزت المدرسة القوميّة العربيّة بصيغةٍ أكثر نضجًا، إذ تجاوزت الطابع العاطفيّ إلى مشروعٍ فكريٍّ منفتحٍ يسعى إلى موضعة العرب ضمن حركة التاريخ العالميّ، جامعًا بين الخصوصيّة الثقافيّة والقيم الإنسانيّة.
ولم يكن هذا التحوّل منفصلًا عن الديناميّات الاجتماعيّة الداخليّة، حيث تزايد وعي الجماهير بأهميّة المشاركة السياسيّة، وبرزت الحاجة إلى أطرٍ تنظيميّةٍ قادرةٍ على تحويل الأفكار إلى ممارساتٍ عمليّة. ومن هنا جاء تأسيس البعث تعبيرًا عن هذا التلاقي بين الظرف الدوليّ والضرورة الاجتماعيّة، فاتّسم العمل القوميّ بطابعٍ أكثر تنظيمًا وانتشارًا.
البنية الفكريّة وجدليّة القوميّ والاشتراكيّ
يقوم فكر البعث على ثلاثيّةٍ متكاملةٍ تجمع بين القوميّة العربيّة والحرّية والاشتراكيّة، حيث طُرحت القوميّة إطارًا هويّاتيًّا جامعًا، بينما مثّلت الاشتراكيّة أداةً لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، دون أن تكون استنساخًا للنماذج الغربيّة، بل صياغةً مرتبطةً بحاجات المجتمع العربيّ وقيمه، بهدف تحرير الإنسان من الفقر والجهل وتمكينه من الفعل التاريخيّ.
ومن منظورٍ سوسيولوجيّ، يمكن فهم البعث بوصفه تعبيرًا عن صعود الطبقة الوسطى العربيّة، ولا سيّما الفئات المتعلّمة التي سعت إلى أداء دورٍ قياديّ في عمليّة التغيير. وقد لعبت المؤسّسات التعليميّة دورًا محوريًّا في نشر هذا الفكر، بينما أسهم الخطاب الأيديولوجيّ في تعبئة الجماهير عبر استحضار الرموز التاريخيّة وبناء هويّةٍ جمعيّة.
كما انخرط البعث في تفاعلٍ مع التيّارات الفكريّة العالميّة، مستفيدًا من أدوات الحداثة التحليليّة، مع السعي إلى إعادة إنتاجها ضمن سياقٍ عربيّ، في محاولةٍ لبناء نموذجٍ يجمع بين الأصالة والمعاصرة دون الوقوع في التبعيّة.
من الفكر إلى الممارسة: إشكالات التطبيق السياسيّ
غير أنّ انتقال البعث من حيّز الفكر إلى حيّز السلطة كشف عن تناقضاتٍ بين المبادئ والممارسة، إذ واجهت التجربة تحدّياتٍ تتعلّق ببناء الدولة وإدارة التعدّد الاجتماعيّ، ما أدّى في بعض الحالات إلى بروز أنماط حكمٍ مركزيّةٍ حدّت من المشاركة السياسيّة وأضعفت الحيويّة الفكريّة.
الأثر الحضاريّ وحدود التجربة
ورغم ذلك، ترك البعث أثرًا حضاريًّا وثقافيًّا واضحًا، إذ ساهم في تعزيز مكانة اللغة العربيّة بوصفها وعاءً للهويّة، وأثّر في الأدب والفكر من خلال طرح قضايا الوحدة والعدالة والانبعاث، وأسهم في تشكيل وعيٍ جمعيّ يرى في التغيير إمكانيّةً تاريخيّة.
وتكشف هذه التجربة عن تعقيد العلاقة بين الأيديولوجيا والواقع، حيث لا يكفي امتلاك مشروعٍ فكريٍّ قويّ لضمان النجاح، بل يتطلّب الأمر قدرةً على التكيّف مع التحوّلات، وتحقيق توازنٍ دقيقٍ بين الوحدة والتعدّد، وبين السلطة والمشاركة.
وفي المحصّلة، يمثّل البعث العربيّ الاشتراكيّ تجربةً غنيّةً بالدلالات في مسار الفكر العربيّ الحديث، إذ عبّر عن محاولةٍ واعيةٍ لإعادة بناء الهويّة في سياق أزمةٍ عميقة. ورغم التحدّيات، يظلّ أثره حاضرًا، وتبقى دراسته مدخلًا ضروريًّا لفهم تحوّلات النهضة العربيّة وإمكانات تجدّدها.

Leave a Reply